⏪⏬
إنه كانون الثاني من سنة 1968 كان الشتاء الأشّد برودة لهذا العام ، لم أشعر حينها بأنني تركت طفلي يبيت في العراء لأكثر من ثلاثة
شهور إلا عندما أتى ذلك البدوي من تلال ووديان مدينة القمر سالكاً طريقه الى بئر السبع فقرر أن يُعرّج علينا للاستراحة والاطمئنان علينا وتزويدنا بأخبار يوسف وحاله ، ومما الهب قلبي قوله لي: عليك ان تتابع طفلك لقد راقبته ينتظر حتى أواخر الليل ويتسلل لخيمة المشايخ والكبار وينفث التبغ من غلايينهم التي يتركونها حول موقد الحطب قبل أن يستغرقوا في نومٍ عميق ، ذلك ما علمه اياه بعض الرعاة من الشباب واليافعين ، كانت كلمات البدوي ك وخز الخنجر في صدري ، حاولت ان اجعله يسكت عن الحديث عن حال يوسف كي لا تسمع والدته الأحاديث وتوبخني على فعلتي وجعل طفلها يبيت بين الجبال والرعاة وبحوزته أكثر من مئة رأس من الأغنام ،
كان لا بد من ذلك الشتاء قارس ولا يوجد مراعي كافية هنا وكان هذا ما اعتدنا عليه بارسال الحلال الى الأغوار في بداية الشتاء وحيث أنني لا أستطيع اكتراء راعٍ للقطيع فارسلت يوسف إلى أن يأتي الربيع ويعود بها إلى مناطقنا الصيفية ،
جلبت أحد الخراف وقمت بذبحه وأكرمت ضيفي وسهرنا ليلتها حتى فجر النهار الثاني وغادر البدوي وما أن اختفى عن الأعين خرجت قاصداً احد المخيمات القريبة من طرف المدينة حيث أن اليوم هو الجمعة والمدينة تغلق محلاتها التجارية ، دخلت المخيم إلى منتصف الشارع الضيق حيث مفترق صغير على ناصيته فرن للخبز ويحاذيه جامع للصلاة ، أديت صلاة الفجر وعدت للفرن اشتريت عدة ارغفة وتوجهت إلى الدكاكين الصغيرة تناولت رطلاً من الموز وفي ناحية أخرى يوجد متجر ذو باب زجاجي كبير ، دفعت الباب والقيت تحية الصباح على البائع قلت له أريد خمسة صناديق من السجائر الجيدة لم أكن أعرف أسماء وأنواع السجائر الافرنجية ،
لقد اعتدنا على التتن العربي والغلايين ، استغرب التاجر الطلب واعتقد انني تاجر مثله ناولته الثمن وسألته ان كان يوجد بالقرب من هنا متجراً للملابس ، تقدم نحو الباب واشار إليّ في نهاية الزقاق يوجد متجر صغير لبيع الملابس المستعملة التي تفيض عن حاجة أهل المخيم بعد توزيع منظمة الأنروا على اللاجئين "البقج " التي تحتوي على اصناف عديدة من الألبسة كل ثلاثة أشهر ،
ذهبت للدكان الصغير وأعجبني معطف زيتي اللون ثقيل وله قبعة اشتريته حملت الأكياس الثلاث واكملت طريقي قطعت الشارع المسفلت شرقاً وكنت قد جمعت عقدة كيس الموز والخبز بربطهم ببعض في اتجاه واحد والقيتها على كتفي وبقي المعطف وكيس السجائر في يدي ،
أشرقت الشمس بخيوطها الخجولة شعرت بالدفء قليلاً بسبب السير على الأقدام ، عاهدت نفسي أن أصل يوسف قبل حلول الليل ،
يوسف ذلك الطفل ذو الإثنى عشر ربيعاً أسمر البشرة بخلاف أخوته الثلاث ذوي البشرة البيضاء والعيون الملونة نحيف طويل القامة بني العينين ، خجول قليل الكلام لم يسعفه الحظ في الدراسة ولم يحبها يوماً وتركها منذ الابتدائية لذلك أوكلت إليه رعي الأغنام ولطالما ضايقه اخوته وأقرانه لفشله في الدراسة فكان يقول لهم ساكون أفضل منكم يوماً وغالباً ما كانو ينادونه بالأسمر الضعيف ،
قطعت الوديان والجبال وقلما ما كنت استريح فقط قليلاً لاتناول شربة ماء أو أدخن سيجارة تتن ومن ثم أكمل المسير ،
الشمس في وسط السماء إنه نداء الظهر ، انزلت الحمل عن كتفي خلعت حذائي وجلست على صخرة لاسترح قليلاً ومن ثم أتممت صلاة الظهر وتابعت المسير ،
وصلت الى مضارب الرعاة بعد الغروب
صوت أجراس المرياع وثغاء الخراف الصغيرة التي تتدافع للالتقاء بالامهات العائدة من المرعى كي ترضع الحليب اختلطت علييّ الأماكن حيث الخيام وبيوت الصفيح الصغيرة التي تبيت فيها النساء لتحضير الالبان واعداد الطعام للرعاة عند عودتهم في المساء ،لم أعرف في أي ركن سوف أجد يوسف ، داهمتني العتمة وكثرة الرعاة والحلال فما كان مني إلا أن أناديه لعله يسمعني ويخرج علييّ يوسف ... يوسف .. كان صوتي متقطعاً متحشرجاً؛ "صمت أبي لحظات وهو يحدثني ودمعت عيناه" ، "
كنت منهكاً من التعب حزيناً ومشتاقٌ ليوسف ويخنقني الندم على فعلتي معه
غافلني يوسف وقفز على ظهري أبي أبي أنت هنا !!
احتضنته بقوة وبكيت ، مشينا سوياً باتجاه الخيمة الصغيرة التي يبيت بها أشفقت لحاله في الركن قدر صغير وركوة قهوة لأصحابه وإبريق شاي لا تستطيع رؤيته من شدة السواد العالق به من الموقد وبضع اكواب وفي ناحية أخرى فراش صغير فقير ووسادة بلا ملاءة ومصباح كاز معلق على اعلى واسط الخيمة
، ناولته علب السجائر جميعها وفاكهة الموز والمعطف البني ،الذي فرح به فرحاً شديداً وقفز يقبلني مرة أخرى ، وبعد استراحة طويلة قلت له هذه السجائر كلها لك وإياك أن تعود لغلاين الشيوخ ودخان الرعاة وسأبيت معك هذه الليلة وفي الصباح سأرسلك مع أحد تجار الأعلاف إلى المدينة وسيوصلك للبيت بعد أن يوزع حمولته على التجار
اذهب إلى والدتك فهي مشتاقة جداً لك وستفرح بلقياك امرح مع اخوتك اسبوعاً كاملاً استحم واستجم وعد إليّ هنا.. سابقى مع القطيع حتى تعود و أعود انا لعملي ،
ونفذ يوسف ما طلبته منه .
توالت السنوات وكبر شقيقي يوسف و الصغار منهم من أكمل تعليمه ومنهم من تزوج وبقي يوسف ، تعلم مهنة البناء فأصبح من أهم المقاولين بل أكثرهم شهرة وخبرة في المدينة وبنى بيتاً رائعاً له وعندما طُلِب منه الزواج وألَحّت والدته عليه قال : لن أتزوج إلا من فتاة بيضاء البشرة متعلمة وتكون أعلى مني شأناً ،
فاراد الله له ذلك وتم زواجه من فتاة ذات خلق وذات شهادة وبيضاء كما أحَبْ ،
رزق يوسف باربعة اولاد ذكور وثلاث بنات ، قام بتربيتهم على أكمل وجه وتعليمهم ذكوراً وإناثاً في الجامعات الأمريكيه وأصبح بعضهم مدرسين في تلك الجامعات ويفتخرون بوالدهم يوسف راعي الأغنام .
*مريم حوامدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"حدثني أبي نصف القصة "
إنه كانون الثاني من سنة 1968 كان الشتاء الأشّد برودة لهذا العام ، لم أشعر حينها بأنني تركت طفلي يبيت في العراء لأكثر من ثلاثة
شهور إلا عندما أتى ذلك البدوي من تلال ووديان مدينة القمر سالكاً طريقه الى بئر السبع فقرر أن يُعرّج علينا للاستراحة والاطمئنان علينا وتزويدنا بأخبار يوسف وحاله ، ومما الهب قلبي قوله لي: عليك ان تتابع طفلك لقد راقبته ينتظر حتى أواخر الليل ويتسلل لخيمة المشايخ والكبار وينفث التبغ من غلايينهم التي يتركونها حول موقد الحطب قبل أن يستغرقوا في نومٍ عميق ، ذلك ما علمه اياه بعض الرعاة من الشباب واليافعين ، كانت كلمات البدوي ك وخز الخنجر في صدري ، حاولت ان اجعله يسكت عن الحديث عن حال يوسف كي لا تسمع والدته الأحاديث وتوبخني على فعلتي وجعل طفلها يبيت بين الجبال والرعاة وبحوزته أكثر من مئة رأس من الأغنام ،
كان لا بد من ذلك الشتاء قارس ولا يوجد مراعي كافية هنا وكان هذا ما اعتدنا عليه بارسال الحلال الى الأغوار في بداية الشتاء وحيث أنني لا أستطيع اكتراء راعٍ للقطيع فارسلت يوسف إلى أن يأتي الربيع ويعود بها إلى مناطقنا الصيفية ،
جلبت أحد الخراف وقمت بذبحه وأكرمت ضيفي وسهرنا ليلتها حتى فجر النهار الثاني وغادر البدوي وما أن اختفى عن الأعين خرجت قاصداً احد المخيمات القريبة من طرف المدينة حيث أن اليوم هو الجمعة والمدينة تغلق محلاتها التجارية ، دخلت المخيم إلى منتصف الشارع الضيق حيث مفترق صغير على ناصيته فرن للخبز ويحاذيه جامع للصلاة ، أديت صلاة الفجر وعدت للفرن اشتريت عدة ارغفة وتوجهت إلى الدكاكين الصغيرة تناولت رطلاً من الموز وفي ناحية أخرى يوجد متجر ذو باب زجاجي كبير ، دفعت الباب والقيت تحية الصباح على البائع قلت له أريد خمسة صناديق من السجائر الجيدة لم أكن أعرف أسماء وأنواع السجائر الافرنجية ،
لقد اعتدنا على التتن العربي والغلايين ، استغرب التاجر الطلب واعتقد انني تاجر مثله ناولته الثمن وسألته ان كان يوجد بالقرب من هنا متجراً للملابس ، تقدم نحو الباب واشار إليّ في نهاية الزقاق يوجد متجر صغير لبيع الملابس المستعملة التي تفيض عن حاجة أهل المخيم بعد توزيع منظمة الأنروا على اللاجئين "البقج " التي تحتوي على اصناف عديدة من الألبسة كل ثلاثة أشهر ،
ذهبت للدكان الصغير وأعجبني معطف زيتي اللون ثقيل وله قبعة اشتريته حملت الأكياس الثلاث واكملت طريقي قطعت الشارع المسفلت شرقاً وكنت قد جمعت عقدة كيس الموز والخبز بربطهم ببعض في اتجاه واحد والقيتها على كتفي وبقي المعطف وكيس السجائر في يدي ،
أشرقت الشمس بخيوطها الخجولة شعرت بالدفء قليلاً بسبب السير على الأقدام ، عاهدت نفسي أن أصل يوسف قبل حلول الليل ،
يوسف ذلك الطفل ذو الإثنى عشر ربيعاً أسمر البشرة بخلاف أخوته الثلاث ذوي البشرة البيضاء والعيون الملونة نحيف طويل القامة بني العينين ، خجول قليل الكلام لم يسعفه الحظ في الدراسة ولم يحبها يوماً وتركها منذ الابتدائية لذلك أوكلت إليه رعي الأغنام ولطالما ضايقه اخوته وأقرانه لفشله في الدراسة فكان يقول لهم ساكون أفضل منكم يوماً وغالباً ما كانو ينادونه بالأسمر الضعيف ،
قطعت الوديان والجبال وقلما ما كنت استريح فقط قليلاً لاتناول شربة ماء أو أدخن سيجارة تتن ومن ثم أكمل المسير ،
الشمس في وسط السماء إنه نداء الظهر ، انزلت الحمل عن كتفي خلعت حذائي وجلست على صخرة لاسترح قليلاً ومن ثم أتممت صلاة الظهر وتابعت المسير ،
وصلت الى مضارب الرعاة بعد الغروب
صوت أجراس المرياع وثغاء الخراف الصغيرة التي تتدافع للالتقاء بالامهات العائدة من المرعى كي ترضع الحليب اختلطت علييّ الأماكن حيث الخيام وبيوت الصفيح الصغيرة التي تبيت فيها النساء لتحضير الالبان واعداد الطعام للرعاة عند عودتهم في المساء ،لم أعرف في أي ركن سوف أجد يوسف ، داهمتني العتمة وكثرة الرعاة والحلال فما كان مني إلا أن أناديه لعله يسمعني ويخرج علييّ يوسف ... يوسف .. كان صوتي متقطعاً متحشرجاً؛ "صمت أبي لحظات وهو يحدثني ودمعت عيناه" ، "
كنت منهكاً من التعب حزيناً ومشتاقٌ ليوسف ويخنقني الندم على فعلتي معه
غافلني يوسف وقفز على ظهري أبي أبي أنت هنا !!
احتضنته بقوة وبكيت ، مشينا سوياً باتجاه الخيمة الصغيرة التي يبيت بها أشفقت لحاله في الركن قدر صغير وركوة قهوة لأصحابه وإبريق شاي لا تستطيع رؤيته من شدة السواد العالق به من الموقد وبضع اكواب وفي ناحية أخرى فراش صغير فقير ووسادة بلا ملاءة ومصباح كاز معلق على اعلى واسط الخيمة
، ناولته علب السجائر جميعها وفاكهة الموز والمعطف البني ،الذي فرح به فرحاً شديداً وقفز يقبلني مرة أخرى ، وبعد استراحة طويلة قلت له هذه السجائر كلها لك وإياك أن تعود لغلاين الشيوخ ودخان الرعاة وسأبيت معك هذه الليلة وفي الصباح سأرسلك مع أحد تجار الأعلاف إلى المدينة وسيوصلك للبيت بعد أن يوزع حمولته على التجار
اذهب إلى والدتك فهي مشتاقة جداً لك وستفرح بلقياك امرح مع اخوتك اسبوعاً كاملاً استحم واستجم وعد إليّ هنا.. سابقى مع القطيع حتى تعود و أعود انا لعملي ،
ونفذ يوسف ما طلبته منه .
توالت السنوات وكبر شقيقي يوسف و الصغار منهم من أكمل تعليمه ومنهم من تزوج وبقي يوسف ، تعلم مهنة البناء فأصبح من أهم المقاولين بل أكثرهم شهرة وخبرة في المدينة وبنى بيتاً رائعاً له وعندما طُلِب منه الزواج وألَحّت والدته عليه قال : لن أتزوج إلا من فتاة بيضاء البشرة متعلمة وتكون أعلى مني شأناً ،
فاراد الله له ذلك وتم زواجه من فتاة ذات خلق وذات شهادة وبيضاء كما أحَبْ ،
رزق يوسف باربعة اولاد ذكور وثلاث بنات ، قام بتربيتهم على أكمل وجه وتعليمهم ذكوراً وإناثاً في الجامعات الأمريكيه وأصبح بعضهم مدرسين في تلك الجامعات ويفتخرون بوالدهم يوسف راعي الأغنام .
*مريم حوامدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"حدثني أبي نصف القصة "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق