⏪⏬
فراغ، بين أضلعه، بين خلايا جسمه النحيل، تحت أضافره. كأن كل قطعة من جسده تنتمي إلى عالم غريب عن البقية. فراغ، يملأ
الغرفة، يصرخ بأعلى صوته لايسمع صدى. فراغ، تحت قدميه، يمشي ببطء شديد محاولا إدراك الرصيف. اللهفة التي تنتابه أمام قطعة الحلوى المعروضة في متجر العم سالم تضاهي شغف شاب وحبيبته. حليمة، أو الرحم الذي أنجبه. تستيقظ كل صباح لتذهب إلى العمل دون أن تعد له الفطور أو تمشط شعره وترتب ميدعته. تعود مساء لتطبخ له أكلته المفضلة بكل حب. كان يخبئ كل يوم نصيبه من الكعكة ليستمتع بمذاقه آخر النهار و يكافئ نفسه على يوم آخر استطاع تجاوزه بأقل الأضرار. يضع رأسه على الوسادة، يتذكر العملية الحسابية التي عجز عن حلها أمام زملائه في القسم، كان يعرف الجواب جيدا لكنه ارتبك و افلت من يده قطعة الطبشور و عاد إلى مكانه تحت صراخ معلمه وسخرية أصدقائه. وضع رأسه الصغير بين كفيه و نظر طويلا الى الطاولة، شقوق كثيرة ملأت الخشبة القديمة و بعض الرسومات غير المفهومة تشهد على أجيال سبقته. أخذ قلما أزرق وكتب “فاطمة”. صوت فيروز ينبعث من بعيد و رائحة القهوة مازالت تسكن جدران المطبخ. يوم آخر، أخذ محفظته وتوجه إلى المدرسة. وصل ليجد زملائه يرمقونه بنظرات غريبة، بعضهم يشير بأصبعه نحوه كأنه يقول هاهو المجرم. لم يعلم أن أحد الأطفال كان يراقبه البارحة وقام بالوشاية على أكمل وجه. واتجهت فاطمة نحو المعلم لتخبره بالجرم الذي اقترفه في حقها. عشرون ضربة بالعصا، وحرمان من الفسحة كان الحكم الذي اصدره المعلم، عزلة و اعتكاف تحت حائط المدرسة كان حكمه على نفسه. عاد إلى البيت وفي الطريق ألقى نظرة أخيرة على الرف العلوي في متجر العم سالم، أين تقبع قطعة الحلوى المنشودة. دخل غرفته واستلقى على السرير. “الشيء الوحيد الثابت في هذا العالم هو أن جميع الأشياء قابلة للتغيير” تصفح الكتاب بسرعة باحثا عن شئ لن يجده ثم اغلقه و أعاده بعناية إلى مكتبة اخته الكبرى قبل أن تعود من المعهد. عاد الى غرفته وانتظر قدوم بقية أفراد العائلة. صوت الطيور العائدة إلى أحضان الزيتون أيقظه من غفوته، فتح عينيه ليجد حليمة واقفة أمامه. “اليوم تحصلت على تسبقة من مرتبي، خذ هذا المبلغ البسيط واشتر شيئا لذيذا” أخذ القطع النقدية واتجه مسرعا إلى متجر العم سالم، وقف بكل ثقة و أخرج النقود من جيبه. “عم سالم أعطني علبة سجائر”
*فاطمة عسيلي
فراغ، بين أضلعه، بين خلايا جسمه النحيل، تحت أضافره. كأن كل قطعة من جسده تنتمي إلى عالم غريب عن البقية. فراغ، يملأ
الغرفة، يصرخ بأعلى صوته لايسمع صدى. فراغ، تحت قدميه، يمشي ببطء شديد محاولا إدراك الرصيف. اللهفة التي تنتابه أمام قطعة الحلوى المعروضة في متجر العم سالم تضاهي شغف شاب وحبيبته. حليمة، أو الرحم الذي أنجبه. تستيقظ كل صباح لتذهب إلى العمل دون أن تعد له الفطور أو تمشط شعره وترتب ميدعته. تعود مساء لتطبخ له أكلته المفضلة بكل حب. كان يخبئ كل يوم نصيبه من الكعكة ليستمتع بمذاقه آخر النهار و يكافئ نفسه على يوم آخر استطاع تجاوزه بأقل الأضرار. يضع رأسه على الوسادة، يتذكر العملية الحسابية التي عجز عن حلها أمام زملائه في القسم، كان يعرف الجواب جيدا لكنه ارتبك و افلت من يده قطعة الطبشور و عاد إلى مكانه تحت صراخ معلمه وسخرية أصدقائه. وضع رأسه الصغير بين كفيه و نظر طويلا الى الطاولة، شقوق كثيرة ملأت الخشبة القديمة و بعض الرسومات غير المفهومة تشهد على أجيال سبقته. أخذ قلما أزرق وكتب “فاطمة”. صوت فيروز ينبعث من بعيد و رائحة القهوة مازالت تسكن جدران المطبخ. يوم آخر، أخذ محفظته وتوجه إلى المدرسة. وصل ليجد زملائه يرمقونه بنظرات غريبة، بعضهم يشير بأصبعه نحوه كأنه يقول هاهو المجرم. لم يعلم أن أحد الأطفال كان يراقبه البارحة وقام بالوشاية على أكمل وجه. واتجهت فاطمة نحو المعلم لتخبره بالجرم الذي اقترفه في حقها. عشرون ضربة بالعصا، وحرمان من الفسحة كان الحكم الذي اصدره المعلم، عزلة و اعتكاف تحت حائط المدرسة كان حكمه على نفسه. عاد إلى البيت وفي الطريق ألقى نظرة أخيرة على الرف العلوي في متجر العم سالم، أين تقبع قطعة الحلوى المنشودة. دخل غرفته واستلقى على السرير. “الشيء الوحيد الثابت في هذا العالم هو أن جميع الأشياء قابلة للتغيير” تصفح الكتاب بسرعة باحثا عن شئ لن يجده ثم اغلقه و أعاده بعناية إلى مكتبة اخته الكبرى قبل أن تعود من المعهد. عاد الى غرفته وانتظر قدوم بقية أفراد العائلة. صوت الطيور العائدة إلى أحضان الزيتون أيقظه من غفوته، فتح عينيه ليجد حليمة واقفة أمامه. “اليوم تحصلت على تسبقة من مرتبي، خذ هذا المبلغ البسيط واشتر شيئا لذيذا” أخذ القطع النقدية واتجه مسرعا إلى متجر العم سالم، وقف بكل ثقة و أخرج النقود من جيبه. “عم سالم أعطني علبة سجائر”
*فاطمة عسيلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق