هو الاسم الحركي لفلسطين ، والمفروض أنه مكان للعيش ، صنعته الأمم المتحدة لغوث وإيواء اللاجئين الفلسطينيين الذين هجّرتهم سلطات الاحتلال الاسرائيلي عنوة عن ديارهم وأراضيهم ووطنهم فلسطين ، فكانت المعادلة أن تقوم إسرائيل بارتكاب المجازر وقتل الأبرياء وتدمير البيوت واحتلالها وطرد أهلها منها ، وتقوم الأمم المتحده بالمقابل بتوفير مأوى لهؤلاء المهجّرين النازحين ، فكان المخيم .
المخيم عبارة عن منطقة صغيرة جدا تقام عليها أبنية متراصة متلاصقة مع بعضها البعض يتلاصق فيه السكان كما تتلاصق الملابس بالأجساد العارية طلبا للدفء في برد الشتاء ، صغيرة الغرف والمنافع ، ضيقة الزوايا ،ضعيفة البنية ، تفتقد لأهم أساسيات الحياة الإنسانية ، فلا مرافق صحية ، ولا ماء صحي ، ولا غذاء صحي ، ولا هواء صحي ولا حتى معاملة إنسانية ، كل ما لا يصلح للعيش حتى للأنعام نجده فيه ، ولكنه لهؤلاء كان الملاذ الوحيد ..
كلمة لاجئ صفة وَصَمَتْ الفلسطيني أينما ذهب منذ اقتلع من أرضه ، من جذوره ، فباتت كالوصمة على جبينه يحملها معه في كل مكان وزمان ، اكثر من ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني وُزِّعُوا على حوالي 59 مخيما في فلسطين و أكثر من دولة عربية ؛ ففي غزة مثلا 8 مخيمات أهمها مخيم الشاطيء ، البريج ، جباليا ، وفي الضفة 19 مخيما أهمها مخيم قلنديا الفاصل بين القدس ورام الله ويقام عليه الحاجز الشهير الذي قطع أوصال القدس وقيد حركة الفلسطينيين ، مخيم قدورة والأمعري والجلزون في رام الله ، العروب في الخليل ، الدهيشة في بيت لحم ، بلاطة في نابلس ، مخيم جنين في جنين ، ومخيمي شعفاط وعناتا في القدس وغيرها من الأسماء ..
كما يوجد في الأردن مجموعة مخيمات أهمها مخيم الوحدات الشهير ، في سوريا مجموعة مخيمات أهمها اليرموك المنكوب حاليا من ظلم ذوي القربى وأعوانهم ، في لبنان 10 مخيمات أهمها نهر البارد ، برج البراجنة ،صبرا ، شاتيلا ، المية مية ، وغيرها في مصر والعراق والسعودية وليبيا واليمن وغيرها ، وهناك حوالي مليون ونصف فلسطيني تشتتوا في بقاع مختلفة من العالم ..
في المخيم أناس تتشابه في الفقر والجوع والألم والمعاناة ، يلتحفون السماء ويفترشون الأرض ويأكلون من أوجاعهم وألامهم ما يأكلون ، وفي أزقة المخيم نرى صبية صغار يصنعون من أبسط الاشياء لعبا يلعبون بها ،وفي الغالب تكون لعبتهم المميزة هي الجندي والملثم ، تلك اللعبة التي اعتادوها كل ليلة تقريبا ليروها على حقيقتها ، حين يستيقظون من أحلامهم البريئة فزعين على أصوات الجنود وطرقهم للأبواب بالعصي وأعقاب البنادق ، باحثين عن ملثم او مجاهد ، والاعتداء بالضرب على الأهالي إذا حاولو منعهم أو الوقوف في وجههم ،
حتى اذا وجدوا من يريدون انهالوا عليه بالضرب المبرح بعصيهم وبنادقهم حتى يفقد الوعي ، أو ربما يفرغون رصاص بنادقهم في جسده حتى يردوه قتيلا ، لتطلق أمهاتهم زغرودة ممزوجة بين الحزن والفرح لنيل أبنائهن
شرف الشهادة في سبيل الوطن ، ولتضربن أروع الامثلة في الصبر والتحمل والجَلَدْ ..
ففي كل بيت من بيوت المخيم يوجد شهيد أو أكثر ، كما يوجد الأسير والجريح ، وتوجد أمهات صابرات محتسبات أمرهن لواحد أحد ليبشرهن بعودة الغائبين يومًا ، وإن فجر الحرية آتٍ لا محالة من دربٍ مضرّجٍ بدماءِ الشهداء ، لهذا نجدهنَ يدفعن أبناءهن دفعا إلى الشهادة والفداء والتضحية ، وما أروع الصورة حين يتدافع المجاهدون الأحرار ويتسابقون إلى الشهادة طوعا وفخرا ..
في المخيم قصص وحكايات تبكي القلب وتدمي الروح والفؤاد ، فالمخيم هو واجهة الوجع الفلسطيني منذ الأزل ، وهو كبش الفداء الذي يصب عليهِ كل الحاقدون على الوجود الفلسطيني رصاصَ بنادقهم وبراميل حقدهم المتفجرة ، ولعل مخيم اليرموك في سوريا وما يعانيه منذ أكثر من سنة من حصار وتجويع وقتل وتدمير هو أكبر مثال على ذلك ..
المخيم هو كل فلسطيني هُجّرَ قسرا عن بيته وأرضه ووطنه ، هو أهلي وشعبي الذين حملوا على أعناقهم قلادهً هي عبارة عن مفتاح صدئ قديم ، حملوه معهم حين تركوا بيوتهم وأراضيهم ووطنهم ، وحملوا معهم تلك الأمنية المعتقة بعشقٍ وانتماءٍ لوطنٍ يسكن في الحنايا ، حتى اذا عادوا يوما إليه فتحوا بيتهم بالمفتاح ، و في جعبتهم أوراق ووثائق قديمة بالية مهترئة أهلكتها السنون ووجع الغربة ، حتى تكون ضمانا ووثيقة رجوع ٍلهم ودليلا بيّنا على امتلاكهم لأراضيهم وبيوتهم التي تركوها عنوة وجورا ..
في المخيم وجوهٌ متهرئةٌ حزينة خطّ الزمان عليها تجاعيد الشقاء ، وطرّز القهر عليها خيوطَ وجعٍ يكبُرُ مع كل خيبة جديدة من الأحباب والاصحاب ِ وجيرانٍ أخفوا حقدهم خلفَ جدارِ ربيعٍ دامي ما زادهم إلا ظلما وقهرا ، وتساؤلات ٌ كثيرةٌ ترتسم ُعلى محياها الحزين موجهة ٌ للعالم الظالم .. لماذا فعلتم بنا هذا ؟ لماذا فلسطين وشعبها ؟ لماذا لم تُحَل مشكلتنا حتى الآن رغم كل القرارات والعهود والوعود ؟ لماذا كُتِبِ علينا وعلى أبنائنا أن نكون لاجئين ؟؟
لن نسامحكم أبدا ، سيكتب التاريخ الحكاية ولن يسامحكم ولن تسامحكم الأجيال القادمة ،وسيجازيكم الله بسوءةِ أفعالكم .. لا نريد تموينكم ولا خيامكم ولا أموالكم نحن إن جعنا نأكل التراب وإن عطشنا نشرب الصبر ونتجرّع الصمود والعزة وإن عُرينا نفترشُ الأرضَ ونصنعُ من أوراق الأشجار أغطية لنا ..
سمّونا ما شئتم لاجئين ، نازحين ، مهجرين ، فسنبقى نحن شعب فلسطين نحمل ملامحها على وجوهنا ، وعشقها في قلوبنا ، ونستمد قوتنا وشموخنا من أشجار زيتونها وعنبها وصنوبرها ولوزها ، ومن أقصاها نستمد صمودنا وعزتنا وكرامتنا ، نحن شعب لا يستكين ولا يركع شيوخا ونساء ورجالا و حتى أطفالنا الرضع ..
ومضة : كنا ننتظر من حكامنا وولاة أمرنا وجيوشنا العربية أن تسارع الخطى لتحرير فلسطين واقتلاع الاحتلال من جذوره ليقتلع معه المخيمات ويعود اللاجئون إلى الوطن ، ولكننا صدمنا منهم بالمزيد من الخيبات والتنازلات والأوجاع ، وتفشى احتلال ٌجديد في أوطاننا كالسرطان ، حتى باتت المخيمات ليست للفلسطينيين وحدهم بل لأغلب الشعوب العربية ، وباتت كلمة لاجئ لا تخص الفلسطيني وحده بل تخص أغلب العرب الذين شردهم الظلم والقهر والاقتتال الدامي والأيادي الحاقدة الدخيلة ، وباتت الجيوش العربية تقاتل وتقتل شعوبها العربية ، حتى غدا عدونا الإسرائيلي هو الشعب الوحيد الذي يعيش بأمان في أوطاننا نحن ..!!!! )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق