⏪⏬
كانَ الصغيرُ يرتجفُ خوفاً كعصفورٍ بلّلهُ المطر، أمسكَ الأبُ بيدِ الصغير، وضغطَ بإصبعهِ بقوةٍ على الجرحِ الذي إحمرَ لونهُ و لا زالَ الدمُ ينزفُ منه، و أسرعَ به الى العيادةِ الصحيةِ القريبةِ من البيت. لصقَ الطبيبُ الجرحَ الذي لمْ يعدْ الصغيرُ يحسُ بهِ و قد خدرَ إصبعه المجروح و قال َ:لا تخفْ يا يوسفَ أنتَ بخير، و لكنه درسٌ تتعلمهُ أن لا تركضَ وبيدك كوبٌ من الزجاج، و أن إلتفتَ الطبيبُ إلى الأبِ و قالَ و هو يغمزُ عينيهِ بعضُ الألمِ يعلمنا الصوابَ .. عليك أن تشربَ و أنت جالس يا يوسف…. أومأ الصغير رأسه موافقاً .و تابع الطبيب موجهاً الحديثَ للأبِ: عليك أن تحافظَ على الجرح َجافاً لئلا يلتهبَ و يتعفنَ، ثمَ وجَّهَ الكلامَ للصغيرِ قائلاً: سيؤلمك الجرحُ قليلاً، و لكنَ ذلك يعني أنكَ قويٌ … و أنكَ ستصبحُ رجلاً … و أن الجرحَ سيشفى بسرعة.
عادَ ياسرُللبيتِ، و عادَ الصغيرُ مهرولاً يختبيءُ في حضنِ والدتهِ، و في أقلِ من دقيقةٍ يغرقُ في نومٍ عميق. جلسَ على الأريكةِ و لا زالتْ كلماتُ الطبيبِ ترنُ كالجرسِ في رأسهِ .. -بعضُ الألمِ يعلمنا الصواب-، تلكَ كلماتُ والدتهِ له ،و قدْ تذكَر كلَ مرةٍ حزنتْ والدتهُ محاولةً إخفاءَ حزنها عنهُ و عن أخواتِه الصغارِ، كانتْ تهربُ للمطبخِ، و تبدأُ بتقطيعِ البصلِ فلمْ يكنْ البيتُ سوى غرفتين لا تحتملان على سعتهما و شظفِ العيشِ مزيداً من الحزن و الأسى. كانَ ياسرُ الابنُ الأكبرِ لأبٍ ذهب لمعركةٍ لم تنتهِ، و لم يبدُ لها نهاية ،و تركَ خلفهُ صبيةً حسناءَ و صغارها. كانت الأم تحتضنُ أختهَ أمينةَ و رقيةَ كلما سألتاها أينَ أبيهم ،و تبدأُ بسردِ القصصِ المفرحةِ، وإن غالبَ الدمعُ عينيها. ذاتَ مرةٍ عادَ من المدرسةِ، و وجدَ أمهُ في المطبخِ تقطعُ بصلاً و لكن هذهِ المرةُ كانَ البصلُ كثيراً، و كانت تبكي بحرقةٍ و سألها: لمَ تقطعينَ كلَ هذا البصلِ يا أمي؟ ألا يؤلمك كلُ هذا الدمعِ و يحزنك؟ قالتْ له: بعضُ الألمِ يعلمنا الصوابَ، و لكنه أمسكَ بيدها، و قالَ لها بكلِ براءةٍ: أمي كمْ أكرهُ البصلَ .. لا أحبُ رؤيتك تبكين. احتضنها بكلتىّ يديهِ، و غمرتهُ رائحةُ البصلِ، و بكيا معاٍ….. و همستْ و هي ترتجفُ: و ما ذنبُ البصل. و بعد أيامٍ قليلةٍ أخبرهُ عمه ِ أن والدَه قد مات…. و ربما لنْ يعودَ أبداً، و سألهُ أن يكونَ رجلاً، و أنْ يفهمَ معنى المسؤلية… كلامٌ لم يفهمهُ لسنواتٍ طوال، و قدْ حرصتْ والدتهُ كل الحرصِ أن يعيشَ طفولتهُ كغيرهِ من الصغار. لم تكفْ عن تقطيعِ البصلِ .. و لا عن البكاِء، و لكنه فهمَ و كبرَ و… هو يكرهُ البصلَ، و يحبُ أمهُ أكثرَ من كلِ ما في الكونِ من أشخاصٍ و أشياء. فهم كمْ كانت تعاني، و كمْ أحبتْ أن يكونَ أطفالها سعداء.
و كان إبناً باراً و صورةً جميلةً لأبٍ ذهبَ و لم يعدْ، و لكنه في قلبِ و ذاكرةِ الزوجةِ أبداً لم يغبْ. رحلتْ و لكنها علمتهُ أنَ الحياة َلا تقفُ عندَ حضورِ الأشخاصِ أو غيابهم بلْ على قدرِ محبتهِم و وفائنا لهم ، و أنَ الحزنَ لا يقتلُ فينا الفرحَ بلْ ربما يعلمنا الصبرَ و يهدينا سبلَ الصواب. أحس بغصةٍ في حلقهِ فقامَ من مجلسهِ و دخلَ المطبخَ ليشربَ كوباً من الماء ، و إذ بزوجتهِ تقطعُ بصلاً و الدمعُ يغطي وجهها، كانَ يعلمُ قدرَ خوفها على صغيرها. فتحتْ فمها وأرادتْ أن تقولَ شيئاً .. و لكنه وضعَ يدهُ على فمِها، و احتضنها بحنانٍ و قالْ: إنه الخوفُ و الالمُ على يوسف … أحسُ بك ….. و أردفَ مازحاً: فما ذنبُ البصلِ تقطعيه … ضحكا معاً و لكنَ رائحةَ البصلِ العالقة ِفي المطبخِ لا زالت تستدعي الدمعَ الذي غمرَ وجهيهما.
* راوية وادي
كاتبة وفننانة فلسطينية تقيم في كندا
كانَ الصغيرُ يرتجفُ خوفاً كعصفورٍ بلّلهُ المطر، أمسكَ الأبُ بيدِ الصغير، وضغطَ بإصبعهِ بقوةٍ على الجرحِ الذي إحمرَ لونهُ و لا زالَ الدمُ ينزفُ منه، و أسرعَ به الى العيادةِ الصحيةِ القريبةِ من البيت. لصقَ الطبيبُ الجرحَ الذي لمْ يعدْ الصغيرُ يحسُ بهِ و قد خدرَ إصبعه المجروح و قال َ:لا تخفْ يا يوسفَ أنتَ بخير، و لكنه درسٌ تتعلمهُ أن لا تركضَ وبيدك كوبٌ من الزجاج، و أن إلتفتَ الطبيبُ إلى الأبِ و قالَ و هو يغمزُ عينيهِ بعضُ الألمِ يعلمنا الصوابَ .. عليك أن تشربَ و أنت جالس يا يوسف…. أومأ الصغير رأسه موافقاً .و تابع الطبيب موجهاً الحديثَ للأبِ: عليك أن تحافظَ على الجرح َجافاً لئلا يلتهبَ و يتعفنَ، ثمَ وجَّهَ الكلامَ للصغيرِ قائلاً: سيؤلمك الجرحُ قليلاً، و لكنَ ذلك يعني أنكَ قويٌ … و أنكَ ستصبحُ رجلاً … و أن الجرحَ سيشفى بسرعة.
عادَ ياسرُللبيتِ، و عادَ الصغيرُ مهرولاً يختبيءُ في حضنِ والدتهِ، و في أقلِ من دقيقةٍ يغرقُ في نومٍ عميق. جلسَ على الأريكةِ و لا زالتْ كلماتُ الطبيبِ ترنُ كالجرسِ في رأسهِ .. -بعضُ الألمِ يعلمنا الصواب-، تلكَ كلماتُ والدتهِ له ،و قدْ تذكَر كلَ مرةٍ حزنتْ والدتهُ محاولةً إخفاءَ حزنها عنهُ و عن أخواتِه الصغارِ، كانتْ تهربُ للمطبخِ، و تبدأُ بتقطيعِ البصلِ فلمْ يكنْ البيتُ سوى غرفتين لا تحتملان على سعتهما و شظفِ العيشِ مزيداً من الحزن و الأسى. كانَ ياسرُ الابنُ الأكبرِ لأبٍ ذهب لمعركةٍ لم تنتهِ، و لم يبدُ لها نهاية ،و تركَ خلفهُ صبيةً حسناءَ و صغارها. كانت الأم تحتضنُ أختهَ أمينةَ و رقيةَ كلما سألتاها أينَ أبيهم ،و تبدأُ بسردِ القصصِ المفرحةِ، وإن غالبَ الدمعُ عينيها. ذاتَ مرةٍ عادَ من المدرسةِ، و وجدَ أمهُ في المطبخِ تقطعُ بصلاً و لكن هذهِ المرةُ كانَ البصلُ كثيراً، و كانت تبكي بحرقةٍ و سألها: لمَ تقطعينَ كلَ هذا البصلِ يا أمي؟ ألا يؤلمك كلُ هذا الدمعِ و يحزنك؟ قالتْ له: بعضُ الألمِ يعلمنا الصوابَ، و لكنه أمسكَ بيدها، و قالَ لها بكلِ براءةٍ: أمي كمْ أكرهُ البصلَ .. لا أحبُ رؤيتك تبكين. احتضنها بكلتىّ يديهِ، و غمرتهُ رائحةُ البصلِ، و بكيا معاٍ….. و همستْ و هي ترتجفُ: و ما ذنبُ البصل. و بعد أيامٍ قليلةٍ أخبرهُ عمه ِ أن والدَه قد مات…. و ربما لنْ يعودَ أبداً، و سألهُ أن يكونَ رجلاً، و أنْ يفهمَ معنى المسؤلية… كلامٌ لم يفهمهُ لسنواتٍ طوال، و قدْ حرصتْ والدتهُ كل الحرصِ أن يعيشَ طفولتهُ كغيرهِ من الصغار. لم تكفْ عن تقطيعِ البصلِ .. و لا عن البكاِء، و لكنه فهمَ و كبرَ و… هو يكرهُ البصلَ، و يحبُ أمهُ أكثرَ من كلِ ما في الكونِ من أشخاصٍ و أشياء. فهم كمْ كانت تعاني، و كمْ أحبتْ أن يكونَ أطفالها سعداء.
و كان إبناً باراً و صورةً جميلةً لأبٍ ذهبَ و لم يعدْ، و لكنه في قلبِ و ذاكرةِ الزوجةِ أبداً لم يغبْ. رحلتْ و لكنها علمتهُ أنَ الحياة َلا تقفُ عندَ حضورِ الأشخاصِ أو غيابهم بلْ على قدرِ محبتهِم و وفائنا لهم ، و أنَ الحزنَ لا يقتلُ فينا الفرحَ بلْ ربما يعلمنا الصبرَ و يهدينا سبلَ الصواب. أحس بغصةٍ في حلقهِ فقامَ من مجلسهِ و دخلَ المطبخَ ليشربَ كوباً من الماء ، و إذ بزوجتهِ تقطعُ بصلاً و الدمعُ يغطي وجهها، كانَ يعلمُ قدرَ خوفها على صغيرها. فتحتْ فمها وأرادتْ أن تقولَ شيئاً .. و لكنه وضعَ يدهُ على فمِها، و احتضنها بحنانٍ و قالْ: إنه الخوفُ و الالمُ على يوسف … أحسُ بك ….. و أردفَ مازحاً: فما ذنبُ البصلِ تقطعيه … ضحكا معاً و لكنَ رائحةَ البصلِ العالقة ِفي المطبخِ لا زالت تستدعي الدمعَ الذي غمرَ وجهيهما.
* راوية وادي
كاتبة وفننانة فلسطينية تقيم في كندا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق