مناظرةٌ بين مسلمٍ ومسيحيّ ويهوديّ حول قطعيّةِ ثبوت ودلالة نبوءةٍ ما في كتبهم السماويّة، يديرها مراسلٌ مغمور، في فندقٍ علي أطراف القاهرة، بعد أن أقام الأربعة معاً لمدة أسبوع في فيلا بالقاهرة الجديدة، تحت مراقبة سكّان الكرة الأرضيّة، بواسطة كاميرات قناة فضائيّة (الحقيقة اليوم) تتبع مؤسسةً مجهولة عابرة للقارات.... في لحظتنا الراهنة لا أراه حدَثاً خطيراً، ولا أتصوّر أن يتابع البرنامج المختوم بالمناظرة -التي لم تتم بالمناسبة- إلا قلّةٌ من المضطرّين، بشرطِ ألا تُقام مباراةٌ بين ريال مدريد وبرشلونة في نفس التوقيت، لكن الروائي الدكتور عمرو صلاح قدّم علي خلفيّة هذا الحدث -الذي تلبّستُ للتوّ بالتقليل من أهمّيته، مُقلِّداً طريقة عمرو صلاح نفسه في التهكّم!- عملاً روائيّاً ثريّاً ومختلفاً، بأسئلته المؤرِّقة، وتلميحاته الكاشفة حدّ الفضيحة، وسخريته الصادمة من زاعمي امتلاك الحقيقة دون حتي أن يعرفوا كنهها!.. وإسقاطه هالة القداسة عن أربابها بإدخالهم في تجربةٍ أظهرتْ هشاشتهم.. وتشريحه لتفاصيل واقعٍ كئيب غضّ الطرْفَ عنها كثيرون جُبْناً أو يأسا.. وألعابه السرديّة المتنوِّعة والمقصودة التي أنتجتْ سرداً حيويّاً متقافزاً سريع الإيقاع وضع القاريء دوماً تحت ضغط التشَوُّف.
لم يكن عادل يحيي (مدير المناظرة) والشيخ عبدالواسع والقس توم جونز والدكتور ديفيد شلومو (أعضاء المناظرة) يتوقّعون -ولا في أحلام يقظتهم- أن يجمعهم هذا الظّرْف ذو الطابع العالميّ، وفق شروطٍ لم تُعطَ لهم الفرصة للتفاوض بشأنها من أجل غرض مشوّش، حتي لو كان المقابل بزوغ نجم عادل ومبالغ ماليّة ضخمة يتحصّل عليها الثلاثة مضافاً إليها زهو البطولة التاريخية أمام أشياعهم.. بطولة الدفاع عن فكرتك بدحض فكرة الآخر.. ليمثّلوا بذلك نموذجاً مصغّراً للخديعة الكبري التي أراد عمرو صلاح تنبيهنا إليها (تتلصّص الكاميرا علي الإنسان في كل بقعة وزمان ومكان...) فأصحاب المصالح الكبار يُسيِّرون الأمور كما يشاؤون ويتحكّمون في المصائر، وليكن الدين أو بالأصوب البارقليط وسيلتهم المضمونة.. وليس أدلّ علي ذلك من ردّ هانا -العاهرة التركيّة- علي ديفيد شلومو حين سألها عن ديانتها، قالت ببساطة: (لا أدري.. لم يخبرني قَوّادي!)..... ولكلٍّ -في البارقليط- قَوّاده!
عادل يحيي عيّنةٌ مثاليّة لأشباه المثقّفين الحالِمين التائهين، النتاج اليوميّ المتدفّق لمقاهي وسط القاهرة، الموسوم بالإلحاد، المستفيد من الثورة -أية ثورة- دون أن يكون ضمن صفوفها الأولي، الذي لايستمتع بممارسة الجنس بقدر متعته بالحديث عنه، تماماً مثلما لم يقدّمه طموحه وكفاءته لقيادة المناظرة بقدر ما زجّتْ به قصة حبٍّ فاشلة (لا بأس أن يكون المتحكّمون بالمصائر مَنْ صاغوا لوْعاتها) ليصير مفعولاً به فيها.
الشيخ عبدالواسع الخطيب الأسبق لواحدٍ من أكبر وأقدم مساجد مصر، الحائر بين ثورتيْن مفترضَتيْن ليس لأنه صاحب أيدلوجيا إنما لأن واحدةً رفعتْه والأخري أخفضتْه دون أن يكون صاحب مبادرةٍ في الحالَيْن، يكاد يمشي بين الناس رافعاً لافتة فوق رأسه تصرخ: (أنا لستُ إخوانيّاً) مع أن لديه إخوانييْن في بيته، زوج ابنته المعتقَل وابنه الذي ظهر بعد طول اختفاء علي شاشة التليفزيون كداعشيّ متمرّس يذبح أسيراً أمريكياً!
استغلّ الكاتب رسْمَه البارع المدقّق لهاتين الشخصيّتيْن في تقديم إشاراتٍ قويّة، عميقة وواعية، نحو ما آلتْ إليه الأمور في مصر بعد الثورتيْن، خاصة الواقع الأمني والسياسي، حيث اختلطت الأهواء وتبدّلت الأدوار وحلّ الارتياب وتفشّت مقولات الحقّ التي يُراد بها باطل علي سبيل إثبات الوجود المجّاني، وظلّتْ تلك الإشارات تتناثر كطلقات رصاص هنا وهناك علي مدار الرواية، ولعلّ أوفي ما يلخّص هذا جملة حدّث بها القسّ توم جونز نفسَه: (يجيد المصريون بيع التاريخ وإحساس الحضارة المترسّخ في أعماقهم دون أن يكون لديهم الشيء الأهم تجاه ما يسوقونه.. الحب)
لم تكن دعوة القس توم جونز، الأب الروحىّ لمدينة فيرجسون الثائرة ضد شُرطتها العنصرية، إلي حضور المناظرة بأكثر من منفَي مؤقّت خطّط له رجال الأمن بالاشتراك الضِّمني مع (المتحكِّمين بالمصائر إيّاهم) لحين الانتهاء من ترويض المدينة، علي خلاف الدكتور ديفيد شلومو -الوحيد بين الثلاثة الذي لايمكن اعتباره رجل دين وإن كان أستاذاً لتاريخ الأديان بجامعة تلّ أبيب- الذي وجد الدعوة فرصةً لاتُعوَّض لعلاج ابنه بعائدها المادّي السخيّ.
اجتمع الثلاثة إذن، وعادل رابعُهم يترقّب، علي شرف البارقليط (تلك الكلمة القابعة في كتاب مقدس عبر تاريخ وسراديب أزمنة تعود للبعث علي يد قناة فضائية تفتقر في كل جوانبها إلي ذلك المنخفض البسيط من الشفافية) ونراقب تحوّلاً في الاتجاهات والأدوار، نقيس كيف أنهم كلما اندمجوا في تعايشهم اليوميّ بفيللا القاهرة الجديدة انحسرتْ حالة التحفّز لدحض يقين الآخر وخفَتَ التطلّع إلي النّزال، وحلّتْ محلّها شكوكهم في ذواتهم وفي دوافعهم للتواجد إن كانت فعلاً هي الذّوْد عن الدين وكلمة الحق، حتي أنهم لم يقولوا أمام الكاميرات إلا ما يعرفه العالم مسبقاً، وعلا حسّهم الاعترافيّ فنجد ديفيد يقول لتوم: (كلنا علي حق) وكان هو نفسه قال للشيخ عبدالواسع: (كلنا علي خطأ) وأحدهم يواجه الآخرين: (كلنا إرهابيّون) ومرّةً يندم توم لأنه سأل ديفيد: (مَن منا علي حق؟) إذ قَدّر أن إلقاء تحيّة الصباح كانت أوقع من سؤال كهذا!.. بدَوْا كأنما فطنوا إلي الفخّ المنصوب، تمرّدوا علي (مؤامرة) البارقليط، وعلي سطوة المتحكّمين، وانتقل هذا التمرّد إلي القاريء الذي لم يعد يري في البارقليط إلا مُعوِّقاً لاتفاقهم وخروجهم ببيان موحَّد، فبارقليط الكاميرات يحرّك الأحداث علي هواه، يضخّ أموالاً، ينقل أشخاصاً بالطائرات في مهمّاتٍ ظاهرها الرحمة وباطنها بقاء الوضع علي ما هو عليه حتي لايتضرّر المعنيِّون!
لم تنعقد المناظرة، لأن الشيخ المسلم والقسّ المسيحيّ والأستاذ اليهوديّ استُبدِلوا بجريحٍ ومكلوم وضائع، ولأن تعاضدهم الإنسانيّ الذي تلمّسوه أخيراً كان أبقي، حتي لو كان الثمن إثارة غضب الآخرين وضياع الأموال الموعودة، ولأن كلاً منهم عثر علي بارقليطه الخاص، ولأن عادل اختفي، والبيان الختاميّ لايزال في جيبه، بعد أن أعادت إليه التجربة توازنه المفقود، فقام بثورته الخاصة، التي حققت أهدافها هذه المرّة، حتي لو كان اختفاؤه ناتجاً عن ثورةٍ مضادّة!.. ولم نكن بحاجةٍ إلي نص البيان في النهاية، لأنه أكّد بصخبٍ ما بثّه السرد بنَفَسه وإيقاعه المتميّزيْن.
تحرّر عمرو صلاح من قيودٍ كبّلتْ أعماله السابقة، كرواية (خداوند) علي سبيل المثال، إذ رفع قيم وجماليات التواصل الإنسانيّ بحلوه ومرّه فوق وجاهة واغراء البحث والتنقيب في الفكرة التي نما وازدهر من حولها هذا التواصل.. وتحرّر من التراتبيّة، خصوصا الزمانية، ذهاباً وعودة، صعوداً وهبوطا، يبدأ حدثاً ثم يتركه فجأة، ربما في ذروته، ليشغل القاريء -المنشغل أصلاً- بآخر، قبل أن يعيده إليه، موفِّراً بذلك نوعاً من الغموض الناعم والتشويق الذي ظلّل الرواية من البداية للنهاية، صانعاً علي الأرجح حالةً سينمائية سريعة الحركة.
كما أجاد الكاتب تبديل وتنويع الضمائر، بخفّة وسلاسة، سواء كان في مونولوج داخلي أو في حدَثٍ مسرودٍ من الخارج، دون أن يتسبّب ذلك في إرباك القاريء، وكأنما كان يمهّد لمفاجأة النهاية، فالمتكلّم والمخاطَب والغائب سيتوحّدون علي عكس إرادة صانعي القرار!
ولعلّ فصل (الأحلام) علي قِصَره أبرز دليل علي نزوع عمرو صلاح إلي التجريب، والانفلات من قيود الشكل وإملاءات المضمون، حيث يتماهي الحضور الشيطاني بالحلول الملائكي، التحليق الحُلْمي بالاختناق الكابوسي. يجتمع الأشتات، تصعد الأرواح، تصيب الأجساد شهوتها كيفما اتفق. لاتدري مَن يحلم بمَن، ولا مَن زُجّ به في كابوس مَن. وتستعر المناظرة، قبل أن يحلّ السكون. إنها هواجس الجميع وقد تم خلطها وإذابتها، لكنها رغم ذلك هواجس صِفريّة لا مرفأ لها. كل ذلك مكتوبٌ بتحكُّم وبإيقاعٍ أقرب إلي قصيدة نثر.
*محمد أبوالدهب
لم يكن عادل يحيي (مدير المناظرة) والشيخ عبدالواسع والقس توم جونز والدكتور ديفيد شلومو (أعضاء المناظرة) يتوقّعون -ولا في أحلام يقظتهم- أن يجمعهم هذا الظّرْف ذو الطابع العالميّ، وفق شروطٍ لم تُعطَ لهم الفرصة للتفاوض بشأنها من أجل غرض مشوّش، حتي لو كان المقابل بزوغ نجم عادل ومبالغ ماليّة ضخمة يتحصّل عليها الثلاثة مضافاً إليها زهو البطولة التاريخية أمام أشياعهم.. بطولة الدفاع عن فكرتك بدحض فكرة الآخر.. ليمثّلوا بذلك نموذجاً مصغّراً للخديعة الكبري التي أراد عمرو صلاح تنبيهنا إليها (تتلصّص الكاميرا علي الإنسان في كل بقعة وزمان ومكان...) فأصحاب المصالح الكبار يُسيِّرون الأمور كما يشاؤون ويتحكّمون في المصائر، وليكن الدين أو بالأصوب البارقليط وسيلتهم المضمونة.. وليس أدلّ علي ذلك من ردّ هانا -العاهرة التركيّة- علي ديفيد شلومو حين سألها عن ديانتها، قالت ببساطة: (لا أدري.. لم يخبرني قَوّادي!)..... ولكلٍّ -في البارقليط- قَوّاده!
عادل يحيي عيّنةٌ مثاليّة لأشباه المثقّفين الحالِمين التائهين، النتاج اليوميّ المتدفّق لمقاهي وسط القاهرة، الموسوم بالإلحاد، المستفيد من الثورة -أية ثورة- دون أن يكون ضمن صفوفها الأولي، الذي لايستمتع بممارسة الجنس بقدر متعته بالحديث عنه، تماماً مثلما لم يقدّمه طموحه وكفاءته لقيادة المناظرة بقدر ما زجّتْ به قصة حبٍّ فاشلة (لا بأس أن يكون المتحكّمون بالمصائر مَنْ صاغوا لوْعاتها) ليصير مفعولاً به فيها.
الشيخ عبدالواسع الخطيب الأسبق لواحدٍ من أكبر وأقدم مساجد مصر، الحائر بين ثورتيْن مفترضَتيْن ليس لأنه صاحب أيدلوجيا إنما لأن واحدةً رفعتْه والأخري أخفضتْه دون أن يكون صاحب مبادرةٍ في الحالَيْن، يكاد يمشي بين الناس رافعاً لافتة فوق رأسه تصرخ: (أنا لستُ إخوانيّاً) مع أن لديه إخوانييْن في بيته، زوج ابنته المعتقَل وابنه الذي ظهر بعد طول اختفاء علي شاشة التليفزيون كداعشيّ متمرّس يذبح أسيراً أمريكياً!
استغلّ الكاتب رسْمَه البارع المدقّق لهاتين الشخصيّتيْن في تقديم إشاراتٍ قويّة، عميقة وواعية، نحو ما آلتْ إليه الأمور في مصر بعد الثورتيْن، خاصة الواقع الأمني والسياسي، حيث اختلطت الأهواء وتبدّلت الأدوار وحلّ الارتياب وتفشّت مقولات الحقّ التي يُراد بها باطل علي سبيل إثبات الوجود المجّاني، وظلّتْ تلك الإشارات تتناثر كطلقات رصاص هنا وهناك علي مدار الرواية، ولعلّ أوفي ما يلخّص هذا جملة حدّث بها القسّ توم جونز نفسَه: (يجيد المصريون بيع التاريخ وإحساس الحضارة المترسّخ في أعماقهم دون أن يكون لديهم الشيء الأهم تجاه ما يسوقونه.. الحب)
لم تكن دعوة القس توم جونز، الأب الروحىّ لمدينة فيرجسون الثائرة ضد شُرطتها العنصرية، إلي حضور المناظرة بأكثر من منفَي مؤقّت خطّط له رجال الأمن بالاشتراك الضِّمني مع (المتحكِّمين بالمصائر إيّاهم) لحين الانتهاء من ترويض المدينة، علي خلاف الدكتور ديفيد شلومو -الوحيد بين الثلاثة الذي لايمكن اعتباره رجل دين وإن كان أستاذاً لتاريخ الأديان بجامعة تلّ أبيب- الذي وجد الدعوة فرصةً لاتُعوَّض لعلاج ابنه بعائدها المادّي السخيّ.
اجتمع الثلاثة إذن، وعادل رابعُهم يترقّب، علي شرف البارقليط (تلك الكلمة القابعة في كتاب مقدس عبر تاريخ وسراديب أزمنة تعود للبعث علي يد قناة فضائية تفتقر في كل جوانبها إلي ذلك المنخفض البسيط من الشفافية) ونراقب تحوّلاً في الاتجاهات والأدوار، نقيس كيف أنهم كلما اندمجوا في تعايشهم اليوميّ بفيللا القاهرة الجديدة انحسرتْ حالة التحفّز لدحض يقين الآخر وخفَتَ التطلّع إلي النّزال، وحلّتْ محلّها شكوكهم في ذواتهم وفي دوافعهم للتواجد إن كانت فعلاً هي الذّوْد عن الدين وكلمة الحق، حتي أنهم لم يقولوا أمام الكاميرات إلا ما يعرفه العالم مسبقاً، وعلا حسّهم الاعترافيّ فنجد ديفيد يقول لتوم: (كلنا علي حق) وكان هو نفسه قال للشيخ عبدالواسع: (كلنا علي خطأ) وأحدهم يواجه الآخرين: (كلنا إرهابيّون) ومرّةً يندم توم لأنه سأل ديفيد: (مَن منا علي حق؟) إذ قَدّر أن إلقاء تحيّة الصباح كانت أوقع من سؤال كهذا!.. بدَوْا كأنما فطنوا إلي الفخّ المنصوب، تمرّدوا علي (مؤامرة) البارقليط، وعلي سطوة المتحكّمين، وانتقل هذا التمرّد إلي القاريء الذي لم يعد يري في البارقليط إلا مُعوِّقاً لاتفاقهم وخروجهم ببيان موحَّد، فبارقليط الكاميرات يحرّك الأحداث علي هواه، يضخّ أموالاً، ينقل أشخاصاً بالطائرات في مهمّاتٍ ظاهرها الرحمة وباطنها بقاء الوضع علي ما هو عليه حتي لايتضرّر المعنيِّون!
لم تنعقد المناظرة، لأن الشيخ المسلم والقسّ المسيحيّ والأستاذ اليهوديّ استُبدِلوا بجريحٍ ومكلوم وضائع، ولأن تعاضدهم الإنسانيّ الذي تلمّسوه أخيراً كان أبقي، حتي لو كان الثمن إثارة غضب الآخرين وضياع الأموال الموعودة، ولأن كلاً منهم عثر علي بارقليطه الخاص، ولأن عادل اختفي، والبيان الختاميّ لايزال في جيبه، بعد أن أعادت إليه التجربة توازنه المفقود، فقام بثورته الخاصة، التي حققت أهدافها هذه المرّة، حتي لو كان اختفاؤه ناتجاً عن ثورةٍ مضادّة!.. ولم نكن بحاجةٍ إلي نص البيان في النهاية، لأنه أكّد بصخبٍ ما بثّه السرد بنَفَسه وإيقاعه المتميّزيْن.
تحرّر عمرو صلاح من قيودٍ كبّلتْ أعماله السابقة، كرواية (خداوند) علي سبيل المثال، إذ رفع قيم وجماليات التواصل الإنسانيّ بحلوه ومرّه فوق وجاهة واغراء البحث والتنقيب في الفكرة التي نما وازدهر من حولها هذا التواصل.. وتحرّر من التراتبيّة، خصوصا الزمانية، ذهاباً وعودة، صعوداً وهبوطا، يبدأ حدثاً ثم يتركه فجأة، ربما في ذروته، ليشغل القاريء -المنشغل أصلاً- بآخر، قبل أن يعيده إليه، موفِّراً بذلك نوعاً من الغموض الناعم والتشويق الذي ظلّل الرواية من البداية للنهاية، صانعاً علي الأرجح حالةً سينمائية سريعة الحركة.
كما أجاد الكاتب تبديل وتنويع الضمائر، بخفّة وسلاسة، سواء كان في مونولوج داخلي أو في حدَثٍ مسرودٍ من الخارج، دون أن يتسبّب ذلك في إرباك القاريء، وكأنما كان يمهّد لمفاجأة النهاية، فالمتكلّم والمخاطَب والغائب سيتوحّدون علي عكس إرادة صانعي القرار!
ولعلّ فصل (الأحلام) علي قِصَره أبرز دليل علي نزوع عمرو صلاح إلي التجريب، والانفلات من قيود الشكل وإملاءات المضمون، حيث يتماهي الحضور الشيطاني بالحلول الملائكي، التحليق الحُلْمي بالاختناق الكابوسي. يجتمع الأشتات، تصعد الأرواح، تصيب الأجساد شهوتها كيفما اتفق. لاتدري مَن يحلم بمَن، ولا مَن زُجّ به في كابوس مَن. وتستعر المناظرة، قبل أن يحلّ السكون. إنها هواجس الجميع وقد تم خلطها وإذابتها، لكنها رغم ذلك هواجس صِفريّة لا مرفأ لها. كل ذلك مكتوبٌ بتحكُّم وبإيقاعٍ أقرب إلي قصيدة نثر.
*محمد أبوالدهب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق