اعلان >> المصباح للنشر الإلكتروني * مجلة المصباح ـ دروب أدبية @ لنشر مقالاتكم وأخباركم الثقافية والأدبية ومشاركاتكم الأبداعية عبر أتصل بنا العناوين الإلكترونية التالية :m.droob77@gmail.com أو أسرة التحرير عبر إتصل بنا @

لماذا نكتب؟

نكتب لأننا نطمح فى الأفضل دوما.. نكتب لأن الكتابة حياة وأمل.. نكتب لأننا لا نستطيع ألا نفعل..

نكتب لأننا نؤمن بأن هناك على الجانب الآخر من يقرأ .. نكتب لأننا نحب أن نتواصل معكم ..

نكتب لأن الكتابة متنفس فى البراح خارج زحام الواقع. نكتب من أجلك وربما لن نعرفك أبدأ..

نكتب لأن نكون سباقين في فعل ما يغير واقعنا إلى الأفضل .. نكتب لنكون إيجابيين في حياتنا..

نكتب ونكتب، وسنكتب لأن قدر الأنسان العظيم فى المحاولة المرة تلو الأخرى بلا توان أو تهاون..

نكتب لنصور الأفكار التي تجول بخاطرنا .. نكتب لنخرجها إلى حيز الذكر و نسعى لتنفيذها

قراءة انطباعية في مجموعات الشاعرة وليدة عنتابي

طاهر مهدي الهاشمي
صدر للشاعرة السورية وليدة عنتابي ثلاث مجموعات شعرية , كانت الأولى عام 2000 وهي بعنوان أسرار , اختارت فيها الشاعرة أضمومة من بواكير انتاجها الشعري , حيث كانت قصائدها في مجملها من شعر الشطرين . من أهم ما ضمت هذه المجموعة من قصائد قصيدة : سرّ الوجود التي تحمّلها الشاعرة تساؤلاتها الوجودية , وحيرتها الوجدانية , في خضم محيط هائل من المعميات والأسرار , وقد تربعت فيها على سدّة ولعها بكل ما يستثير الروح , ويوقد مجامرها بزيت التساؤلات التي لا تحتمل إجابات قاطعة ونهائية :
(أيّ سرٍّ وراء هذا الوجودِ
خلف ستر من الغموض البعيدِ
خلف سترٍ من الظلام رهيبٍ
يحجب السّر في انطواءٍ عنيدِ
ما حياتي وسرّ روحي وقلبي
أيّ معنى مبــرّرٍ لوجـــودي
إلى أن تنهي القصيدة دون أن تجد ما يشفي روحها المرهق بأسئلة مرمضة
فهي تعود لائبة من جديد في ترديد آبد لسؤالها المهلك :_
(إنّ روحي ممزّق بالشكوك
قد براه السؤال في الترديد
ما حياتي وسرّ روحي وقلبي
أيّ معنىً مبرّرٍ لوجــــودي )
وتحمل قصائدها الأولى وهي في سنيّ دراستها المبكرة , رغبة عارمة في الانطلاق من أسر الأشياء , إلى عوالم تصنعها بنفسها من نمير مائها الفتيّ المتجدّد على الدوام ,فهي تريد أن تحلّق في فضاءات وجدها وحنينها إلى ما وراء الظاهر , وأن تسبح في عرام توقها إلى المجهول لتكتشف معنى وجودها :
(_إلامَ سأمكث رهن العدم
وقيد الجمود , ورهن الألم
وسرّ الحياة على همسةٍ
تردّد رجعــهـــا كــلّ الـقــمــم
فإذا ألفت الحضيض الكثيف
فكيــف سأنــشد هذا النغم
وإذا كسرت جناحاً يطير
ولذت وراء جدارٍ أصم
فكيف سأطفئ شعلة روحٍ
عميق الحنين للثم الشمم
وكيف سألجم شوقاً عصيّاً
يفرّ , ويكره كلّ صــنــــــم)
وهي في شوقها إلى القاصي والنائي تستمد مضاءها في تأكيد ذاتها المتجسّدة على رقعة غيابها الوجدي ضمن عالم الأطياف
(_ : نادمت طيفك في الأحلام فامتثلا
ملكاً سويّاً على الأهداب واكتملا
ألقى جناحيه حول القلب فارتعشت
منه الرواسي وبات اليمّ مشتعلا
ودخلت في الزمن الموقوف تطلقه
من سلطة الطين وعداً مترفاً ثملا)

إلى أن تنشق الأرض وينبثق عالم مختلف تماماً
_: فانشقت الأرض وانفطرت سموات
عن عالم متفرّد في روعنا اتصلا .)
إن قصتها مع الأطياف لا تخلو من طرافة , فهي تكثر من ذكرها وكأني بها تستبدل المتجسد المرئي بالمترائي اللا مرئي .

_ لأثير طيقك في رهيف عوالمي
جــنــح يسافــر بالحــنيــن إلى المـدى
إلى أن تقول في موضع آخر :

(_ : نادمت طيفك وانسكبت على المدى
حبــبــاً يطفــّفـه الأثــيـر مــــبـــــــدّدا
حتى امتطى الأمواج رجــع قصيدة
فيها استوى الصوت المعنّى والصــدى )
وهي في تعريفها للحب ترى أنه مسّ من السحر ومن الشرر وهو لديها بارق قدسي ينأى عن النفعيّ والزائل ويسمو إلى آفاق الروح
(:_ الحب سحر يرقى في ملكوته
وعوالم لا ينتهي فيها السفر
وتوحّد وتجانس لا ينـــتهي
ضرب من المسّ المقدّس والشرر
إلى أن ترجع ذلك البدويّ إلى حدوده الأرضية في صحراء وهمه

:_ خيّم على صحراء وهمك واحتسِ
كأساً من الخيبات في ضوء القمر
شاخت بعينيك الرؤى وترهّلت
فالحب عندك محض خصرٍ من حجر )
وتختتم مجموعتها بمسلّمة دوران الأرض , حيث التغير والحركة من أهم سمات المنظومة الحيّة
(_: بالزمن الهارب من كفّي
وبوجه يومض كالسيفِ
بجميع عصافير الحلـــم
وعطور الوعد وما يخفي
بالحلم المتعب من سفرٍ
بالجرح المرهق من سفر
ما زلت حبيبي وما زالت
أشواكك تأكل من ضعـفي .)
وقد أصدرت مجموعتها الثانية : من زهر وجدي جنّتك عام 2014 وهي من شعر التفعيلة بمجملها .
إنّ هذه المجموعة الشعرية الثانية للشاعرة :وليدة عنتابي تمثّل في بنيتها ومضمونها ذات الشاعرة المتلهفة أبداً للجمال من خلال الفنّ الشعري المواكب لروح الإنسان في تطلعها نحو السموّ والتفرّد في خصوصية الطابع , وشمولية المحتوى . في عالم يركض وراء المظاهر غير مدرك أبداً لاغتراب الروح في تصحر الوجود .
_ : (صرخ اغترابي من وراء
الحسّ لكن المدى أعمى أصمّْ
صرخت جراحي من تخوم نزيفها
ما من أحدْ
كل الذين تأبطوا أكفانهم حولي
يحنطهم أبد .)
في لغز الحياة وعلاقة الروح بالجسد , تنهمر مواجد الشاعرة على باب غربتها وعزلتها في غاب يتضور وحشية وأنانية لتتأمل باباً ربما يطلقها إلى خلاص من نوع آخر , بعد أن أدركت هوّة الخلاص الجمعي في انعكاسات الاختلافات والتشظي فهي في تحصيل حاصلها للباب في داخلها الذي يغوص في ضباب الآخر تقول :
هو حفنة من رمل رغبة ْ
أو جرعة من أحجياتْ
هو صورة لظلال ذكرى
أو جلوة للروح في كهف الرؤى.)
إلى أن تحزم أمرها للرحيل , باحتزام هموم القلب وألاعيب الخيال
(_: أيها الجمال عرّج
قد نويت الارتحال
واحتزمت همّ قلبي وألاعيب الخيال
غصّة العمر الحزين
فالبدايات اخضلا ل والخواتيم ارتشاح
ما تبقّى قي قرر العمر راح )
غير أنها وفي صميم اغترابها وتوحّدها مع الغياب الرابض وراء المحسوسات , تتلهف إلى استعادة ما رخم من أمنيات , وما تجمّد من أحاسيس , وما استلب من مشاعر , إلى ساح وعيها وحضورها الموثوق إلى زمنها هي :
(_وعمرك يغفو على صدر أمنية من رخام
نشدتك بعض حفيف المرافئ
بعض الترجّل عن برج قلبي
ليعلو بثّ من السرد متن الثواني
ويسكب شلاله المستهام )
إلى أن تتمظهر بين التجلي والغياب على شاشة برزخها المحموم بوقيد الرؤى
مطلقة طيورها الحبيسة , إلى غير مستقر لها.

:(_لأنك برزخٌ من نبيذ الثواني
تعرّش أسطورة من وقيد الرؤى
وترسم للقلب فجراً بهيّاً شهيّا
وتطلق كل الطيور الحبيسة
بين السؤال وبين الجواب .)
إنها الروح المتعطشة دائماً إلى آفاق مختلفة , ملتحفة وجدها , تحت قبّة هيامها بالغائب والنائي والبعيد .

:(_أسائل هذا المساء المضمخ بالصمت
عن سرّ ما يعتريتي
وبوغل في خلجات التوجّس حتى الغياب
وعن كل ما يستثير التوجّد في كأس روحي
من البرق يطرد غيم المسافةِ
يوقد نار الوصول بزيت وغار .)

إنها في تردّي زمنها الموصوم بالتشيوء , والمحكوم بالانهيار , تهفو إلى انطلاقها من أسر الحال , إلى ما لا ينال .
(_: يحتار بي شوق تفحّر في مداي
يحتار بي وله تداريه يداي
هو ما أكابد من سراب
هو ما تخبّأ خلف باب
باب سيفضي في متاهاتي لباب
وأنا أطاول لهفتي الحرّى لأفترع الغياب )
فوق سجادة استغراقها لبرهة فوق حسيّة , تتأمل ذاتها اللامرئية في مرآة البدعة , وقد نسجت مفارقتها اللامألوفة للمألوف .

(_: يا أيها الرائي لعين القلب يأسرني بهاؤك
فإذا اختطافي اليوم تنجزه سماؤك
وإذا انتهائي ذوب فيض منك
يغمرني جلاؤك
يا أيها النور الذي قد صاغ من وجدي الوجود
قد ردّني من حمأة الجسد اللدود
ودخلت في ملكونه نسغاً تجدّد
وسعت جنانه كي تعيد وكي تزيد.)
يتمحور الخطاب لدى الشاعرة الرافعة لجناح المجد من الخلد , في لحظة التبأور في عمق شعورها بجمال الموجودات , وألق التجليّ للمخبوء , حين يطلقه الظهور على آفاق الترقب والانتظار , ليتبين الحدّ الفاصل بين الحضور والغياب .
(_ : ما بين عيني والمدى
تنداح أطياف من السّحر المذابْ
ما بين كفي وارتعاشات النّدى هذا الخطاب
غيمٌ على كتف المنى عالي الجنابْ
يا غيثه أهدى لآلئه إلى الشرفات
مدّ خمائل الكلمات
أمطرني نبيذاً من شفيف
الوجد بانْ
وإلى فضاء الشعر أطلق بي جناح
الأحجيات من البيانْ .)

تطالعنا مجموعتها في شرفة من أحجيات القلب , فنرى الشاعرة السورية وليدة عنتابي التي تكتب الشعر بأشكاله الثلاثة , معلّقة قناديله على أعناق الجبال , والأشجار , مطلقة مزامير الأشجان في ليالي السهد والأرق , قد استهوتها تلك الأحزان العائمة على سطح قلبها الزاخر بعباب القلق . حيث تدرك عبثية لهاثها وراء المستحيل:
_هيهات تدرك ما تبقّى
من صهيل الوقت
تعبر مرتع الأشجان
والصمت الثقيل .
في قصائدها المبثوثة عبر أثير مترف الرهافة ,حسّ غرائبيّ , لروح خارجة عن نمط الأشياء , فهي في تفرّدها الناصع تأتلق بجوهر الحياة تلك المنذورة للحب والخير والجمال :
_ ويهيم في مسرى النسائم
عابقاً بشذا الورود
قلبي بنشوته التي فرّت
عن الأغصان يرقصها القصيد .

غير أن سوداوية زمنها المنفلت من نطاق العقل , والمنحدر إلى هاوية نهايته المحتومة , يتربص عن كثب منها وبها , وهي المأزومة المترددة لحناً مأساوياً في مفارقة الفرح و الحزن :
_ صبّ وهماً في كؤوسٍ من ظلال
ولتُدِرْ ما شاء صبرُ
حين فاضت في خوابينا الهموم
أترعت كل التخوم
وتولانا الوجوم .

تقف الشاعرة على باب انطلاقها من أسر الآنية والمكانية , وقد ألقت بمفاتيحها القديمة إلى أعماق النسيان , لتقتنص لحظة تتراءى أمام مخيلتها الرافعة رايات العصيان لكل ما كان و يكون :

_فلتأتِ فجراً من أقاصي المستحيل
وزلزل الصخر الحرون
ولتمتطِ الكون انعتاقاً ولتعربد يا جنون .
تلك الترنيمة الهامسة في صالات الصخب والفوضى وضياع الوجدان , تتدثر بمسافاتها الكونية , وقد تحررت من أحزمة استلابها وتبخّرت من إناء وجدها لتتصاعد غماماً شعرياً و تتهاطل ندى و اخضلالاً على تصحر عالم آيل للانطفاء :

_:أحبك تمطرُ الأحلام تفاحاً وياقوتاً وأزهاراً
وتهمس لي بأسرارٍ
بكلّ هناءة تعِدُ .
في مجموعتها (في شرفة من أحجيات القلب ) يغتسل الزيتون بدموع الهجران , وينكسر الحلم على قارعة الأشجان,وتبلى عهود , وتندثر عصور وأزمان ويطوي الغبار كل ما كان , لجدار آيل للانهيار وقلب نابض باللوعة والحسرة, قلب أبيض لروح خاوية الوفاض في خيبة الأحلام تحت مظلة الأوهام , وقد شارفت دقات الخفوت دون جدواها على متلازمة عود على بدء , مفتشة عن دليل الشموع الذي ضاع في لقاء مؤجل لليلة راقصت نجومها عناقيد الغياب .:
_ فهلّا تماثلت للشدو
مديّت للحنح أقصى الفضا ؟

إلى أن تهتف :
_وأرقأُ بالمدى المسفوح دمع القلب
أجلو ظلمة سهدتْ
على بوابّة الروحِ .

الشاعرة التي ما تزال تغني للحب والخيبات , ستنجو_ حين تقرر_ في رحلتها إلى السماء من وجع الروح , وستفتقد خيالاتها التي ابتدعتها جزافاً على محمل الأحلام بعيداً جداً عن قسوة الأرض , وحزن السماء وستختلس دقيقة صمت من جدول الذكريات وتهمس في سمع الكون بما أشجاها وأبكاها في طفولة مسجّاة على نعش براءتها , لتسترد ما أمكن من أغنيات غارقة في النسيان , مهيبة بها أن تنهمر :

_بكلّ نوارس الممتد بين الصوت والصمت تناديني
تفتّت يابس الأيام
تولج في ازبداد النزع ماء الصحو
تغويني .
لتسترد منها الحياة الجديرة بالحياة , فقد تأخرت أكثر مما يحتمل , عن ذلك الغارق في ماء لظاه , و اللائب في متاه رؤاه وقد صار ذوباً من نضار ترتشفه الغيوب وتمتصه الأنواء :
-وأنت معي تذوب أناي في فنجانك العارم
نثاراً من مدىً عائم
وترشفني على هيف
نبيذاً من حكايات
تفيض بعشقها الدائر .
هي برهة من وميض الحدس , سرعان ما تبددها جلافة واقع أرعن, تلك هي حياتها في حتمية خريف زاحف لا محالة :
فيا ومضة خاطفة
تمر علينا مرور الزلازل والراجفات
لنشهد آثارها الراعفة .
إلى أن تقول:
_ ويا واحةً من سراب
تمد حبالها للعارفين
وتومئ للهاجر أن لا إياب
فشدّ المراكب للمبحرين
وحيّ على موكبٍ من غياب .
تتبأور الأرض في قرارة وعيها, تتلظى بجمر احتراقها , بين خيانة الدم ومصالحة الاغتراب إذ لابدّ للحق من عودة إلى أرضه الحقيقية , واستردادها
من براثن الدخلاء .
_ كلّ دمعٍ سال من عينيّ أمٍّ
ودمٍ ما زال رطباً في يديها
يشتكي غدراً إليها
ودعاءٍ من لهيبٍ يكتويها .
إلى أن تقول:
_كل ما أحرقتموه من حضارات
نفتكم وتبرّت منكم الدنيا
وصاحت ملء فيها
_ أيّ فوضى تعتريني
ورهابٍ ليس من شرعي وديني
وكلابٍ ألقموها من فتاتٍ
فغدت للموت طوعاً بيديها
بلّغوا من أوفدوها
أنّ رملي صار قبراً لبنيها .
في مجموعة وليدة عنتابي الشعرية ( في شرفة من أحجيات القلب ), عتبات لأزمنة غائبة , ودروب لأهداف واعدة ,
تضيف للنص الشعري أبعاداً جديدة , وتطلق لفضاءاته آفاقاً فريدة إذ لا بدّ لجمالية روحها , ولأصالة موهبتها من أن تذرّ شمسها رغم ما يتكاثف من سحب وحجب .

وفي مجموعتها الرابعة
( دوار الجرار)
التي اختارتها من شعر الشطرين (الشعر العمودي ) نجد الشاعرة مصرّة على أن تكون مجموعتها هذه من شعر الشطرين , بعد صدور مجموعتها الثانية والتي ترفل قصائدها في فضاءات التفعيلة , ممتدة في المكان والزمان , نجدها هنا تلتزم ذلك النهج الأولّي للشعر العربي إبّان ظهوره في فجر التاريخ , وقد أخذت بناصيته وتمكنت من سياسته من خلال تراكيبها المسبوكة , وعباراتها المحبوكة , وصورها البديعة في طرافتها وتميزها , حيث تعود لمخاطبة الأطياف , بلغة ثرية جديدة , ومفردات مشتقة من نماء تطورها ونضجها , فهي في قصيدتها عطر تشرين تخاطب طيف الشهيد الذي توارى بجسده عن عالم المرئيات , بينما بقي ذكره خالداً في سجل التاريخ وذاكرة محبيه , وظل طيفه مترائياً بين الحين والحين ليذكّر بتلك الهنيهات المسطورة بأشعة الشمس على ظلام عالم البشر المحكوم بتعدده وتقلبّه .

: (نادمت طيفك والأشجان من ألمي
وسيف هجرك يلقي ظلّه بدمي
يا من يفجّر في الشريان صاعقة
ويستجير من الرمضاء بالحممِ ) ...
إلى أن تقول :
وامتدّ تشرين يرقى في معارجه
إنّ الشهادة فينا ذمّة الزّممِ
يستلّ من جسد التاريخ علّته
ويستعيد بريق العزّ والشممِ )
إن النفَسَ الشعري لدى الشاعرة يتراوح بين القصيدة المطولة والقصيدة المتوسطة و المقتصدة الوامضة , وقد حمّلت قصائدها محتويات باذخة , ثرّة , تتبدى في اخضلال جنائنها , وتأجج نيرانها , مستدركة وجودها المنطلق من ماهيته إلى آفاق تنأى بوجدها اللاظي في حميمية كونها المنفتح على خصوصية آسرة ..
( قطّرت بوحي في قراطيسٍ
ومزجت فيها الحبّ بالحبب
وجرعت حتى شفّني وجدي
وشكا لقلبي لوعة اللّهبِ
إلى أن تؤكّد :
يا وحدة قد بتّ أرقبها
يوماً فيوماً آنست قـــربي
ركباً بهيّاً في تهودجه
يسري بوجدي جائزاً خطبي
وعرفت أنّي والوجود معاً
حالاً , تجلى لي فيا عجبي )

إنها في تمظهرها اللا فت والصادم للعاديّ واللوحيّ , تخرج عن محدودية أفق يضيق بامتدادها اللا متناهي ضمن كون يتصادى بنداءاتها , وآفاق تشهق بارتعاشاتها النابضة بمواليدها المتجددة على الدوام .
فمن نيران الوجد التي تتأجج في قصيدتها :مسار الرؤى
(_: يا نار ناري فوق أسواري اغزلي
قمصان وجدٍ من جوىً ما رُمِّدا
فإذا تصــوّف خــافقٌ متبــتّـلٌ
لا تطفئي جمراً ظننته أُخمدا .)
إلى ندى الأوان وعذوبة الرؤى .
(_: يا من تردد في فضاء توجّدي
رجعاً قصيّاً كارتدادات الصدى
سطرّت في أفق الحواس ملاحماً
سحرية الألوان ترفل بالندى
ورسمت للقلب المسار إلى الرؤى
وفتحت للروح الخلود على المدى ) .
وهي في غمرة انشغالها الوجودي بمكنونات كون غارق في الاستسرار , يستثيرها ويقض مضجعها ما يطغى على عالمها من حيف وجور واعتداء , مما تفرزه أزمنة وأزمات الحروب التي تضرمها مطامع وأهواء ظلّام وشذّاذ تقلدوا مصائر الأبرياء , وقبضوا على أعناق الشعوب بالمال والسلاح ذلك التنين المزدوج والممتص للدماء .
( بغداد يا أمّ المعالي أبشري
إنّا إليك حجيج حبٍّ وصلاة
فلكل جلّادٍ أراق نجيعك
ولكل نخاسٍ توخاه الطغاة
ولكل من سفح البراءة والتوى
ولكل نخاسٍ توصّد في اللهاة
أرسلت ما حشد العناء من الأذى
وبعثت في الحدثان ما استعصى ومات
لفضائك القدسيّ يأخذني دمي
وعلى ثراك تطيب للحرّ الحياة ) .

في استشراف حدسها التنبوئي تلتقط ومضاتها بعين شاخصة , وروح سادرة , لتريق على تصحر عالمها دنان خمرتها القدسية , حيث تزهر حقول صمتها بالموشّى والمنمنم من مدونات العشق الإلهي , فتنطلق طيورها وبلابلها , لتوقع أشجى الألحان , وتردد أرقّ النغمات .

( يا بعضه والكلّ بعض صفاته
متواجد والكون مجلى ذاته
وشفيف روحه نافذ في خلقه
متواتر في موته وحياته )
إلى أن تقول :
(فإذا احترقت على مجامر غيبه
سيهبّ من تحت الرماد تعدّدي
يا فيضه حين انتهى في خاطري
أشتات برق خلّبٍ لم تمسكِ
فتمطّرت رعشاته من نشوة
وشكا البنفسج لــــوعة للـــيلـــكِ )

لقد صمتت الشاعرة وليدة صمتاً ثقيلاً ردحاً من الزمان , كانت ترزح فيه تحت أعباء متطلبات الحياة الرتيبة والمسؤولة بين عمل وظيفي , وآخر بيتي يتخللهما واجبات زوجية وتربوية , إلى أن حان أوان انطلاق صوتها الذي تغيّب طويلاً , ليعود أشدّ صفاءً , وأكثر عطاءً وأبهى تميّزاً , مرددة بينها وبين ذاتها ما كان يتصادى في بهو أعماقها ذات يوم ماضٍ كئيب أسير .
(هكذا العمر لحظة من سرابٍ
وغريبٌ مخيّب الحظّ عابرْ
عين هذا الوجود شجوي وحزني
ما تبقى من الزمان خسائرْ )
وإذا كان للعدالة الإلهية أن تأخذ مجراها وتهيئ للشاعرة سبل الخروج من عزلتها وانكفائها , فهذا مما تستحقه تلك الشاعرة الموهوبة , تقديراً لتفردها وخصوصية بصمتها في عالم الأدب والشعر .

(تسقط العنكبوت خيطاً فخيطاً
حين شاءت إرادة الخلق فيَّ )

إن ما يجعل الشاعرة تخاطب مثلها الأعلى في حداثتها الشاعر الفيلسوف أبا العلاء المعريّ , إنما هو وحدة الحال والشعور .
: (بعين حدسي أرى الأيام تجمعنا
وما اعتراك قديماً بات يلزمني
إذا الوجود احتواني في سريرته
حيناً , تراه بوحيٍ منك يطلقني
أنت النديم وكأس الروح موعدنا
يا طيب كأسٍ بكفّ الغيب مرتهنِ ) .
للشاعرة مجموعات أخرى قيد الطبع معظم قصائدها منشور وموثق على الشابكة .
كل ما يمكن أن أختتم به قراءتي لمجموعات الشاعرة ,هو تمنياتي لها بمزيد من الإبداع والتألق .

طاهر مهدي الهاشمي

ليست هناك تعليقات:

أخبار ثقافية

  • فيلم (كال وكمبريدج).. هموم الجيل الثاني من المغتربين العراقيين
  • ⏪⏬ا: (اختبار سياقة) عام 1991 و (ساعتا تأخير) 2001 و (عينان مفتوحتان على ... اكمل القراءة
  • المكتبة المسرحية: ثلاثة أعمال مسرحية للكاتب أحمد إبراهيم الدسوقي
  • ⏪⏬صدرت للكاتب والشاعر والرسام أحمد إبراهيم الدسوقي.. ثلاثة مسرحيات.. هم ... اكمل القراءة
  • فيلم "بين الجنة والأرض" يختتم عروض "أيام فلسطين السينمائية"
  • ✋✋اختتم مهرجان "أيام فلسطين السينمائية"، دورته السابعة والاستثنائية بالفيلم ... اكمل القراءة

    قصص قصيرة جدا

  • عناد | قصص قصيرة جدا ...*على حسن بغداى
  • ⏬⏪اشاعاتاقتنع بمقولة أن وراء كل عظيم امراة.. تزوج أربعة.. وضعوه فى مستشفى ... اكمل القراءة
  • حنين | قصص قصيرة جدا...*على حسن بغداى
  • ⏬⏪تعليماتنزل القبر.. استقبلوه بالترحيب.. طلبوا منه أربعة صور وشهادة وفاته لضمه ... اكمل القراءة
  • الحسناءوالحصان | قصة قصيرة جدا ...*رائد العمري
  • ⏪⏬في الاسطبل كان يصهلُ كعاشقٍ أضناه الاشتياق، هي لم تكن تفهم صهيله جيدا، جاءت ... اكمل القراءة

    قصص قصيرة

  • ابن جلَّا | قصة قصيرة ...*حسان الجودي
  • ⏪⏬رفضت بعض خلايا الدماغ المشاركة في عملية التفكير التي همَّ بها ابن جلاّ .فقد ... اكمل القراءة
  • أطول مما يتخيل العمر | قصة فصيرة..!.. * عبده حقي
  • ⏪⏬فجأة وجد رأسه معلقا بحبل بين أغصان الشجرة وعيناه جاحظتان إلى السماء .كان جسده ... اكمل القراءة
  • مسافر في الليل | قصة قصيرة ...*على السيد محمد حزين
  • ⏪⏬ارتدى آخر قطار متجه إلي القاهرة , حشر نفسه وسط الكتل البشرية المعتركة الأجسام ... اكمل القراءة

    قراءات أدبية

  • قراءة لنص "ميلاد تحت الطاولة" ...* لـ حيدر غراس ...*عبير صفوت حيدر غراس
  • "الدارسة المعمقة والجزيلة للأديبة الكبيرة (عبير صفوت) لنص ميلاد تحت ... اكمل القراءة
  • الرواية التاريخية في الأدب الفلسطيني ...*جواد لؤي العقاد
  • رإن أفخم وأهم الرويات في الأدب العربي تلك التي تقدم لنا معلومات تاريخية موثوقة ... اكمل القراءة
  • الأهازيج الشعبية في رواية “ظلال القطمون” لإبراهيم السعافين
  • *د. مخلد شاكر تدور أحداث رواية “ظلال القطمون” حول الأدب الفلسطيني, وحول ... اكمل القراءة

    أدب عالمي

  • إعتذار .. مسرحية قصيرة : وودي آلان - Woody Allen: My Opology
  • ترجمة:د.إقبال محمدعلي*"من بين مشاهير الرجال الذين خلدهم التاريخ،كان "سقراط" هو ... اكمل القراءة
  • الأسطورة والتنوير ...* فريدريك دولان ..*ترجمة: د.رحيم محمد الساعدي
  • ⏪⏬الأسطورة هي بالفعل )تنوير( لأن الأسطورة والتنوير لديهما شيئا مشتركا هو الرغبة ... اكمل القراءة
  • أدب عالمي | الموت يَدُق الباب.. مسرحية لـ وودي آلان
  • ⏪بقلم: وودي آلان،1968⏪ترجمة: د.إقبال محمدعلي(تجري أحداث المسرحية في غرفة نوم ... اكمل القراءة

    كتاب للقراءة

  • صدر كتاب "الفُصحى والعامية والإبداع الشعبي" ...*د.مصطفى عطية جمعة
  •  ⏪⏬عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة ؛ صدر كتاب « الفُصحى والعامية ... اكمل القراءة
  • رواية"أنا من الديار المُقدَّسة والغربة" للأديب المقدسي جميل السلحوت
  • *نمر القدومي:صدرت رواية الفتيات والفتيان “أنا من الديار المقدسة” للأديب المقدسي ... اكمل القراءة
  • صدور كتاب “أمريكا وجرائم استخدام أسلحة الدمار الشامل- الجزء الثاني”
  • * للباحث “حسين سرمك حسن”صدور كتاب “أمريكا وجرائم استخدام أسلحة الدمار الشامل- ... اكمل القراءة

    الأعلى مشاهدة

    دروب المبدعين

    Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...