في يوم شتائيّ، عاصفٍ، كان ولدي يتابع كرنفالا في مدينة ( باد إيشل) القريبة من بحيرة( هالشتات) في النمسا.
وقد أخذته الدهشة، بروعة، وإتقان العروض، فراح يصفّق، وصحبه..لكلّ لوحة بشرية متجددةٍ، تمرّ من أمامه، مردّداً بعض كلمات نمساوية متداولة، حفظها للتوّ، تعبّر عن مدى إعجابه، وانبهاره.
توقف بالقرب منه رجل في منتصف العمر، من المدينة، كان يسير بمحاذاة الموكب، قاصداً مبادلته التحية عن قرب، بمودّةٍ عفويةٍ، فرضها الجوّ المشبع بالتفاؤل، والطاقة الإيجابية للمكان، والتقارب الإنسانيّ الذي لا يعرف لوناً، أو عرقاً، أو تصنيفاً.
ولما كان ولدي حينها في بداية سكنه بالمدينة، ولم يخضع بعد لدورةٍ في اللغة النمساويّة، بادله الحديث باللغة الانكليزية التي يتقنها بطلاقة..مما دفعه للسؤال مستغرباً:
ــــــ أنت جديد بالقدوم إلى هنا إذن؟؟؟ من أين أنت يا صديقي ؟؟!!!
ـــــــ أنا من سوريا
سأله ملهوفاً: ـ سوريا ......؟! سوريا التي بها حرب، ونار، ودمار، وموت ؟؟!!!
ــــ للأسف نعم يا صديقي..
فما كان منه إلا أن احتضنه، وبكى، وبكى...حتى غمرت الدموع وجهه، وهو يقربه من أضلاعه، حتى ليمزجه في قلبه ، ونبضه..ليشعره بالأمان الذي افتقده منذ سنوات دامية، كبر فيها ألف عام:
ـــــ تعال يا صديقي.ـ قالها ناشجاًـ ستكون بخير، كل شيء سيكون على مايرام، اهدأ..أنت بين أهلك.
آااااااااه يا ولدي...كم تمنيت أن يكون هذا الصدر الذي احتواك عربياً؟؟!!
كم تمنيت أن تكون اليد التي قوّتْ أصابعك، من نبض هذا الوطن الكبير ؟؟!!
أفنيت عمري، وأنا أتغنى أمامك بأمجاده، أحكي عنه للأجيال التي تعبتُ في تنشئتها، أعزّز فيها هذا الانتماء...ليأتي يوم غائم، تغلق فيه بوجوهكم الأبواب، تجلدكم سحنات قاسية، تطلب منكم، بفظاظة، واستعلاء.. أوراق التأشيرة، والإثباتات التعجيزية......ولا عبوووور
واليوم أمشي معكم في سرادقه، أتجرّع خيبات كذبة صادمة، لوطن كبير في سبات..ولاعزاء للعروبة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق