منذ أيام وأنا في طريقي لحضور أمسيتي الأدبية في مركز ثقافي العدوي ..دخلت إلى صيدلية لشراء بعض الدواء .. فالتقيت هناك بامرأة يبدو أنها آتية من احدى المحافظات كانت تحدق في السراب .. ونظرات حزن شديد تشي بها عيناها المحمرتان ..
كانت تقف بانتظار دورها محنية الظهر توجه نظرها إلى طفل بجانبها لايتجاوز السبع سنوات وهو ينتقل ببصره بين الوجوه بنظرات بلا معنى ..
ثم يلتفت ليراقب اطفالا في الخارج من وراء الزجاج وهم يلعبون ويتراكضون بمرح ويمدون أيديهم وهم يضحكون داخل كيس كبير من الشيبس يأكل منه أحد الأولاد وهو ينهرهم بمرح برئ ..
لم يكن ذلك الطفل كباقي الأولاد ..كانت نهايات يديه مضمدتين بالشاش الأبيض ..كان بلا أطراف ..
لم أستطع كبح نفسي ..بكيت من قسوة المشهد ..
بدأت دموعي تنهمر بشدة من خلف النظارة الشمسية السوداء ..رأيت العالم في تلك اللحظة مضمخا بالسواد ..
صرت أتساءل بيني وبين نفسي ..ترى مالذي حصل لهذا الصبي ؟؟ ! ..
هل نالت منه قذيفة حمقاء !! أم أنه تعرض لحادث فظيع؟!..
فتحت محفظتي ألهو بمحتوياتها ..وقع بصري على بونبونات ملونة ترقد في قعر الحقيبة ..
خطر لي أن أقدم بعضها للصغير ..ولكن كيف سينزع قشرة البون بون !! وكيف يضعها في فمه !! ؟ بل كيف سيأخذها مني ؟؟ يالحماقتي ..هكذا خاطبت نفسي ..
في تلك اللحظة التفت الصبي ليقول لأمه أنه يشعر بالعطش .. فأخرجت من حقيبتها قنينة ماء صغيرة وضعتها في فم الصغير ..
شرب حتى الارتواء ..دون أن ترتوي روحه الذاوية ..
لم أستطع كبح فضولي ..سألت الأم عما جرى للصغير ..قالت وهي تلجم دمعها من الفرار ..تفجير ارهابي ..
ضاق العالم في عيوني ..زاد انهمار دموعي وقد سافرت مخيلتي إلى موقع التفجير ..عويل وصراخ .. دماء وأشلاء ..
نظرت إلى الصبي هائم النظرات .. كانت يمينه قد بترت من فوق الكوع ..بينما اليسرى مبتورة من تحت الكوع بقليل ..
شعرت فجأة بدوار وغثيان شديدين ..
بدأت أغيب عن العالم .. شعرت أنني أدخل في غيبوبة حقيقية ..تمنيت أن أصرخ بشدة .. أن أرفع صوتي بالبكاء ..أن لاأكبت نفسي التي احتارت أين تذهب من نظرات المحيطين الذين بدؤوا ينتبهون لما حل بي وقد شدتهم أيضا اللوحة المحزنة المتمثلة بالصبي وأمه ..
اندفعت خارج الصيدلية ..أمسكت قلبي الذي أنهكه الحزن ..خانتني الاتجاهات ..
أين أذهب ..لاأريد الذهاب الى الأمسية ولا لأي مكان ..
أريد فقط أن أعود إلى البيت وأغلق علي باب غرفتي وأبكي حتى الثمالة ..
وطني ..سحقا لمجرمين يعيثون فيك الخراب ..
ربي ..رفقا بقلوب وأياد بلا أطراف.
فاتن ديركي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق