⏪⏬
تشكّل قصيدة النثر إحدى أهمّ التجليَّات الأدبيَّة العربيَّة على مدار سنوات طويلة خلَت، لكن ثمّة خلط حاصل في الأسس، هذا ما يذهب إليه العديد من النقّاد، أي أنّ هناك أزمات عديدة دفعت هذا الفنّ إلى خلطٍ ما بين الجيّد منه والرديء دونما نقد فعّال، غير أنّ الشاعر
المصري عماد فؤاد -الذي أصدر مؤخّراً أنطولوجيا النصّ الشعري المصري الجديد- يقول بهذا الصدد:"لا أعتقد أن النثر العربي يعيش أزمة ما، وكذلك الشعر، ولا تشكّل سيادة الرديء كذلك أزمة حقيقية، فهكذا كان الحال دوماً، لكن ربما كان الفارق الكبير الذي نلمس تأثيره حالياً هو الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في مختلف المجالات، ومن بينها المجال الثقافي العام، وهو ما لم يكُ موجوداً من قبل"، ومن ثم مضيفاً: "الحديث عن "أزمة دائمة في الشعر والنثر هو الأزمة الحقيقية"، أو قل هو افتعال لأزمة غير موجودة. وفي ظنّي أن حالة الكتابة العربية الآن تمرّ بواحدة من أفضل فتراتها، سواء كان ذلك في الرواية أو الفنون الكتابية الأخرى الأكثر تطلّباً، كالشعر والقصة القصيرة مثلاً"، مستدركاً: "اعتدنا الحديث عن "أزمة" في كل شيء، وأعتقد أن البحث الدائم عن مقاييس تؤخذ بعين الاعتبار للتفريق بين ما هو جيّد وما هو رديء هو أحد أشكال صناعة هذه الأزمة المفتعلة، ذلك أنّ أول شروط الإبداع الجيّد هو ألّا يلتزم بأي شروط من أيّ نوع".
⏪مقولات مستوردة من الخارج
إلى اللحظة تبدو الكتابات النقدية في ما يخصّ قصيدة النثر نادرة، ويرى فؤاد أن سبب ذلك ربما هو: "أنّ الأجيال العربيَّة الجديدة لم تستطع أن تخرج لنا قامات نقدية مؤهلة لدراسة وتتبّع تطورات القصيدة العربية الجديدة من داخل منظومتها الخاصَّة"، ومن ثم متابعاً: "لفترات طويلة دأب النقاد العرب على التعامل مع قصيدة النثر العربية بمقولات مستوردة من الخارج، وربما كان كتاب سوزان برنار عن قصيدة النثر الفرنسية أحد أكثر الكتب التي استعان بها النقّاد العرب في معالجة قصيدة النثر العربيَّة، وهو ما كان له كبير الأثر على التلقّي الخاطئ لهذا النص منذ ظهوره الأوّل، لأنّه تسبّب في معالجة القصيدة العربيَّة بطرق وأساليب لا تمتّ لها بصلة، فـ"هرب إلى الهامش" وترك الأفكار الكبيرة ليهتم بالتفاصيل الصغيرة".
⏪تحوّلات
تحوُّل كاتب قصيدة النثر إلى الرواية يعتبر نقلة نوعية، لقرب المسافة بين النثر والرواية، لكن الأمر عند النقّاد غير مستساغ لأسباب عديدة، يقول عماد فؤاد الذي صدرت له قبل فترة روايته الأولى (الحالة صفر): "ربما كان الانتقال بين فنون الكتابة من الأمور غير المعتادة سابقاً، أمّا الآن فأرى أنّ الأمر صار عادياً، قبل ثلاثة أو أربعة عقود لم نكن نرى هذا الانتقال يحدث بهذه السهولة التي نشهدها اليوم، كان الشاعر شاعراً والروائي روائيَّاً، دون أن يعارض أحد ما هذا التجاور كما كان يحدث في السابق"، متابعاً: "لدينا الآن العديد من الأسماء التي راكمت في الجانبين أعمالاً مهمة، مثل سليم بركات وعباس بيضون وأمجد ناصر وغيرهم كثيرون، وتتسع الظاهرة لدى الأجيال الجديدة في العالم العربي ومصر، لنجد جيل التسعينيات المصري تحديداً يبرز في كتابة النوعين جنباً إلى جنب"، وعن اتجاهه الشخصي نحو تدوين الرواية يقول فؤاد إنها كانت: "نتاج عدد من الأسباب، على رأسها تشبّعي بالشعر وإحساسي بأن ثمة كتابة ما أكثر اختلافاً يجب أن تُكتب، لتستوعب ما لا يستوعبه قالب الشعر الذي يفرض شكلاً من أشكال التعامل مع اللغة، شكلاً أكثر حساسيَّة ورهافة، وهو ما حاولته في "الحالة صفر"، التي تقف بين برزخي الشعر والسرد وأتمنّى أن أكرّر التجربة مجدّدَاً".
⏪ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ
وحول تجربته في اختياره لنماذج من قصيدة النثر المصرية ضمن أنطولوجيا صادرة مؤخراً بعنوان: "ذئب ونفرشُ طريقه بالفخاخ" يقول عماد: "الأنطولوجيا هي الإصدار الثاني لما أسميته "أنطولوجيا النصّ الشعري المصري الجديد"، وكان الإصدار الأول قد صدر في العاصمة الجزائرية مطلع العام 2007 بمناسبة اختيار الجزائر عاصمة للثقافة العربيَّة آنذاك، وتضمنّت وقتها نصوصاً وقصائد لـ 35 شاعراً وشاعرة من مصر ممن يكتبون قصيدة النثر، أمّا الإصدار الجديد فهو أضخم وأشمل حيث تضمّن قصائد ونصوص لـ 53 شاعراً وشاعرة، إضافةً إلى العديد من المقالات والقراءات النقدية والشهادات والحوارات التي تناولت أعمال هؤلاء الشعراء لإلقاء المزيد من الضوء على تجاربهم الإبداعيَّة، وهو ما يشكّل موسوعة ضخمة لشعراء قصيدة النثر المصرية عبر ثلاثة أجيال، خرجت في /672/ صفحة من القطع الكبير"، وحول اتّكاءه على الاختيارات في ترتيب النصوص يقول: "اعتمدتُ على ذائقتي الشخصية أولاً وأخيراً، ولكن من خلال رصد قصيدة النثر المصرية عبر ثلاثة أجيال رئيسيَّة هي السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات"، ومن ثم مضيفاً: "حاولت في الاختيارات للشعراء الانحيازَ إلى المناطق المتميّزة في تجاربهم الشعريَّة، في محاولة لرصد الصورة الأشمل لمشهد قصيدة النثر في مصر عبر هذه العقود الثلاثة والوقوف على تطوّراتها السريعة المتعاقبة".
⏪المكانُ نثراً
للكتابة بعيداً عن المكان الأوّل، أثره الفعال لدى أغلب الشعراء، وعن المكان وتأثيره يقول عماد: "لم أشعر بتأثير المكان على نصي إلّا بعد خروجي من مصر وإقامتي في الخارج، قبل ذلك لم يكن للمكان هذا الأثر على قصائدي، ولم أرَ أبداً أنّ المكان يشكّل عقبة من أي نوع أمام الكتابة، الخروج من القاهرة منحني الفرصة لاختبار جديد لكثير من المعاني لم أكن أشعر بها لو بقيت في مصر، منها مثلاً معنى الوِحدة، الذي برز في عدد من قصائدي فيما بعد"، ومن ثمّ منهياً الحديث:" أعتبر أيضاً أن المكان مرتبط بالناس الذين يعيشون فيه، فلا وجود لمكان بدون صانعيه الحقيقيين، هؤلاء البشر الذين يصنعون له روائحه وتاريخه وذكرياته".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق