تمهيد:
تشكّل اللّغة الشعرية العمود الفقري للأعمال الأدبيّة ، ونتيجة لهذا الدور الكبير منحها النقاد مكانةً كبيرة ً في مؤلفاتهم، فراحوا يبحثون في سرّ يميّز النصوص الأدبيّة ورد التمّايز إلى قدرة المبدع على إنتاج لغة حداثيّة ، فاتصفت اللّغة في المتن الشعري المعاصر بغزارة المعاني وكثافة التصوير تماشياً مع مطالب المناهج النقدية المعاصرة التي تنادي بضرورة الابتعاد عن اللّغة العادية المألوفة وابتكار لغة جمالية تكون الكلمة فيها حبلى بإيحاءاتٍ ودلالاتٍ جمة، وفي هذه المطالب وقفة مع الذات لتخليص الأدب من بعده الاجتماعي
والتاريخي والتركّيز فقط على أدبيته التي تشمل الملامح الفنية التي تميزه عن بقية النصوص ساعية " إلى معرفة القوانين العامة التي تنظم ولادة كل عمل ، ولكنها بخلاف هذه العلوم التي هي علم النفس وعلم الاجتماع، تبحث عن هذه القوانين داخل الأدب ذاته، فالشعرية مقاربة للأدب مجردة وباطنية في الآن نفسه، الشعرية مقاربة الأدب لا تعني تناول العمل الأدبي في ذاته و إنّما تكريس الجهد لاستنطاق خصائص الخطاب الأدبي بوصفه تجليًا لبنية عامة لا يشكل فيها هذا الخطاب إلا ممكنًا من ممكناتها "(1 ) فيعمل الشاعر على إفراغ الكلمة من مدلولها المعجمي وشحنها بمدلولاتٍ أخرى تجعل من شعره أكثر مرونة وحيوية .
استجاب الشاعر المعاصر لهذه الدعوات وراح يبتكر نموذجًا شاعريًا بحت ، اغتصبت فيه الكلمة وشحنت برموز استطيقية راهن فيها الشاعر على الرؤية الحداثية، وقد ساعدته الظروف القاسية في بعث خطابٍ راقٍ حاول من خلاله الارتقاء والسمو بالواقع بحثًا عن عالمٍ أفضل، والشاعر المصري حسين الحرفوش نموذج حيّ عن الشاعر العربي المعاصر الذي وجد في كثافة التصوير وعمق التلميح ملاذًا لإخراج ما بجعبته وما بجعبة مجتمعه في لغة رمزية لعلّها منفسًا لنتوءات النفس وتضاريسها المتعرجة التي أثقلت حياه المواطن العربي .
بعد اطلاعنا على ديوانه الشفيف " إلى زهرة الغاردينيا " التمسنا اتساق بين ذات الشاعر ومحيطه الثقافي والاجتماعي، و العلاقة الدياليتيكية التي ترجمتها اللّغة الإيحائية المنبثة في ديوانه، ولكشف مميزات اللّغة وملامحها الشاعرية أنجزنًا هذه الدراسة المعنونة بـ " شعرية اللّغة في ديوان إلى زهرة غاردينيا للشاعر حسين الحرفوش"، سنعتمد في هذه الدراسة على الخطوات الآتية :
تمهيد:
ـ المستوى التركيبي
ـ المستوى الإيقاعي
ـ المستوى الدلالي
خاتمة.
هوامش البحث.
جمالية اللّغة في ديوان إلى زهرة غاردينيا لحسين حرفوش
ـ المستوى التركيبي : تقوم البنية التركيبية (النحوية) للخطاب الادبي الذي يجب أن ينظر إليه على أنه ذو فاعلية تؤدي جزءً من معنى القصيدة وجماليتها، وهو بذلك يتظافر مع باقي العناصر الأخرى فتتحقق أدبية الخطاب الشعري (2)
ومن أهم الأساليب التركيبية التي كشف عنها نص الشاعر الحرفوش هي :أسلوب التقديم والتأخير ، وأسلوب الحذف ، و أسلوب الأستفهام ، وأسلوب النداء .
1 ـ أسلوب التقديم و التأخير:
يُعد أسلوب التقديم والتأخير من الأساليب النحوية المهمة التي تخضع لها الجملة العربية من حيث مخالفتها لعناصر السيّاق فيتقدم ما من حقه التأخير و يتأخر ما من حقه التقديم ، فرتبتة الفاعل قبل المفعول ورتبة المبتدأ قبل الخبر ، فإذا جاء عكس ذلك؛ قيل : إن فيه تقديمًا وتأخيرًا وقد ورد عن العرب إنّهم يقدمون ماله أهمية وعناية في الحدث كما بين هذا سيبويه في الكتاب إذ قال : " إنّهم يقدمون في كلامهم ما هم ببيانه أغنى ؛ وإن كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم "(3)
وقد قسم سيبويه التقديم : " إمّا أن يقدم في الرتبة دون الحكم ، كتقديم المفعول على فاعله ، وأمّا أن يقدم في الرتبة والحكم معًا ، كتقديم رتبة المفعول وحكمه في باب الاشتغال إذا ما أرتفع بالأبتداء ؛ كما في قولهم : زيد ضربته "(4)
وامتدح عبد القاهر أسلوب التقدّيم والتأخير بقوله : " باب كثير الفوائد جم المحاسن واسع التصريف بعيد الغاية لايزال يفترُ لك عن بديعه ويقضي بك إلى لطيفه ، و لا تزال ترى شعرًا يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه ، ثم تنظر ، فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدّم فيه شيء وحول اللفظ عن مكانه إلى مكان " (5)
لاشك أنّ أسلوب التقدّيم والتأخير له أهمية كبيرة عند الشاعر إذ تتضح هذه الأهمية "وتتبارى فيه الأساليب وتظهر المواهب و القدرات، وهو دلالة على التمكن من الفصاحة وحسن التصرف ، و موضعه الموضع الذي يقتضيه المعنى ". (6)
فالتقدّيم والتأخير " لا يأتيان للإهتمام أو الغاية و إنما يأتيان لتحرير المعنى وضبط الدلالة "(7)
وقد وظف الشاعر حرفوش أسلوب التقدّيم والتأخير في قصيدة (جغرافيا) إذ قال:
قالت : تفهم في الجغرافيا ؟!
تعرف أين خطوط الطول ؟!
تعرف أين خطوط العرض ؟!
كيف يكون الوقت قصيراً ؟!
أي فصولِ العام يطول ..؟!
كيف تكون الأرضُ بحارًا ؟!(8)
القاعدة النحوية تقول : أسماء وأدوات الاستفهام لها الصدارة في الكلام ، ف (أين خطوط الطول) و (أين خطوط العرض) هنا الشاعر استخدم أداة الأستفهام (أين) التي تسأل عن المكان فهي اسم استفهام مبني في محل رفع خبر ، فقد قدم الخبر هنا على المبتدأ ، وبهذا التقديم عبر عن حقيقة ثابته ليست محل الاستفهام المعنوي ولكنها محل الاستفهام النحوي ، وكذلك(كيف) التي تدل على تعيين الحال ، فالتقديم هنا واجب .
وقول الشاعر في قصيدة (فيك سرُ الحُسْنِ) :
مِنْ حَنِينِ البَوْح في نَاي الرُعَاهْ
يامَلاكِي .. من سَنَاكِ هَا أنَــا (9)
(مِنْحَنِينِالبَوْحفينَايالرُعَاهْ) هنا يقدّم الشاعر في هذا الشطر من البيت الخبر على المبتدأ وهو ضرب من أسلوب التقديم والسبب في ذلك إعطاء المتلقي الخبر ليبقى متحمسًا لمن قام به أو بدر منه، وهذا من فنون الكلام، لذا نرى الشاعر قد أخّر المبتدأ وهو نفس الشاعر ليعطيه اهتمام المتلقي ، فقد قدّم ماكان من به من حنين وشوق ثم نسبها له ليبين حجم هذا الأمر وجاء بالمبتدأ في آخر البيت وهو قوله (أنا) .
2 ـ أسلوب الحذف
الحذف ظاهرة لُغوية عامَّة ومشتركة بين جميع اللغات الإنسانيّة ، إذ تميل إلى حذف بعض العناصر من الكلمة بُغية الاختصار أو التخفيف من ثقل الكلام وعبء الحديث ، أو حذف ما يمكن للسامع فَهمه اعتمادًا على القرائن المصاحبة حالية كانت أم عقلية ، كما أنّ الحذف يكون في بعض عناصر الكلمة الواحدة فيسقط منها عنصرًا أو أكثر (10)
وشرط الحذف في الكلام أن يكون هناك ما يدل على المحذوف (11) فالحذف في اللّغة : القطع أو القطف أو الإسقاط من الكلام (12)أما في الاصطلاح : إسقاط وطرح جزء من الكلام أو الاستغناء عنه ؛ بدليل يدل عليه ، أو للعلم به وكونه معروفاً . (13)
لو تأملنا قصيدة الشاعر الحرفوش (خروجًا على النص) لوجدنا أن الحذف ورد في هذه القصيدة في أكثر من مورد إذ قال:
خروجًا على النّصِ
خروجًا على النّصِ .. سوف اتركُ على شبابيك أبياتِ شعري مُشّرّعةً
تَشْتَهِي عَوْدَةَ الرّاحلينَ إلى حُلْوِ حَدِيثنَا المُستطابْ
خروجًا على النّصِ .. حين تُخَلّقُ فوقَ المعاني الوَسَاوِسُ(14)
(خروجًا) مصدر (خرج) ، وهو بدل من اللفظ بالفعل والتقدير (أخرج خروجًا) تعرب مفعولًا مطلقًا إلا أن بعض من النحاة أعربها على أنها مفعول به لفعل محذوف تقديره أخرج ، فالشاعر هنا استعمل الحذف في باب المفعول المطلق وكرر هذا الحذف في القصيدة ؛ وذلك لوجود ما يدل عليه في الكلام وللتخفيف من الثقل وحتى يصّل القارىء إلى مراد القصيدة دون عناء وعبء .
لجأ الشاعر كذلك إلى الحذف في قصيدة (عِفةُ هَوًى ) إذ استهل بقوله :
عَيْنَاكَ .. الحَيْرَىَ ترصُدُنِي في كُلِّ زَمانٍ .. ومَكَانِ(15)
وقال في موضع آخر من القصيدة ذاته :
يَا رَجُلاً أَهْوَاهُ مِثَالاً في طُهْرِ غَرَامٍ .. وَبَيَانِ(16)
حذف في البيت الأول شبه الجملة من الجار والمجرور وهي (في كل) والتقدير : وفي كُلِّ مَكَانِ ؛ وذلك لوجود ما يدل على المحذوف في الشطر ذاته ، وكذلك الحال في البيت الأخر حذف (في طَهْرِ) والتقدير : وفي طَهْرِ بَيَانِ، لوجود ما يدل عليه وكذلك للتخلص من ثقل الكلام فقط أسقط جزء منه.
3 ـ أسلوب الاستفهام
الاستفهام في اللغة : طلب الفهم (17) ، وفي الاصطلاح : حدّ سيبويه الاستفهام بأنّ تريد (من المخاطب أمرًا لم يستقر عند السائل ) (18) ، أو هو (طلب حصول صورة الشيء في الذهن) (19) ، أي حصول صورة المراد فهمه في النفس وإقامة هيئته في العقل ، أو طلب صورة الشيء في الذهن بإحدى أدوات الاستفهام(20)
ومن أشهر أدوات الاستفهام عند الشاعر حرفوش في ديوانه (إلى زهرة الغاردينيا) هي : الهمزة ، وهل ، فالهمزة : هي أصل في الاستفهام(21) ويأتي توظيفها في الديوان على صيغتين : الأولى أن تصحبها أم المعادلة (التسوية) ، والأخرى : أن تأتي منفردة من دون أم المعادلة ، وقد خرجت الهمزة في شعر حرفوش إلى عدّة معانٍ منها :
أ ـ التعجب : ذكره النحاة أن الأستفهام يأتي لمعنى التعجب (لأن أصل الأستفهام الخبر ، والتعجب ضربٌ من الخبر ، فكأنّ التعجب لما طرأ على الأستفهام أعاده إلى أصله من الخبرية) . (22)
ومن استعمالاتها عند الشاعر قولهِ في قصيدة (ما شئت ...لكنَّهُ شاء .. !!) .
أحقاً على قدْرِ حلمي أتيْتِ ؟!
تجمَّع فيك ابتدَاءُ الجمالِ ... وللحُسْنِ ليس لدَيْكِ
أنْتِهَاءْ ؟!(23)
كرر الشاعر هذا المقطع في القصيدة مرتين وسبب هذا التكرار يرجع إلى تعجب الشاعر من الحلم بأسلوب الاستفهام ب (الهمزة) فهو متعجب من مجيئها في الحلم وعلى هيئتها ذات الجمال والحسن الذي لا انتهاء له فهو نوع من المبالغة فالجمال يبتدأ فيها ولكن حسنها ليس له انتهاء .
ب ـ العتاب : وظف الشاعر الحرفوش العتاب إذ استهل قصيدتهِ (سلامًا ... أيّها القمر البخيلُ)
سَلاَمًا أَيُّهَا القَمَرُ البخِيلُ
ودَادُكَ .. مِثلُ قُرْبِكَ مُسْتَحِيلُ !
أهَجْراً ترضيهِ لنا ، وبُعْداً
وإهْمَالاً .. يُسَرُّ بهِ العَذولُ ؟!
أكبْراً ...أمْ دَلاًلاً .. أم تَجَنٍ .
عِتَابًا .. أمْ مَلامًا .. مَا تَقُولُ ؟!(24)
دلّ الاستفهام بالهمزة في هذين الموضعين (أهجراً) و (أكثراً) على معنى العتاب فهو يسأل القمر بعد إن يصفه بالبخل هذا بعدك وقربك المستحيل هل هذا الذي تفعله إهمالاً لنا يسعد به العذال أم تكبراً علينا أم دلالا أم تريد جني العتاب من كل هذا الذي تفعله فالتراكم الاستفهامي هنا للتأكيد أم المعادلة للتساؤل .
ـ هل : أداة استفهام مختصة بطلب التصديق ويستفهم بها عن الجملة الاسمية والفعلية (25) ، وهي أكثر أدوات الاستفهام أصالة بعد الهمزة فـ (هل) حرف استفهام أصالة بعد الهمزة التصور و التصديق السلبي ، فالاستفهام بـ (هل) السائل فيه لا يتردد في معرفة مفرد من المفردات ، لكنه يتردد في معرفة النسبة لذا يكون الجواب بـ (نعم) إن أريد الاثبات ، وبـ (بلى) إن أريد النفي فـ (هل) لا تكون إلا لطلب التصديق ويمتنع معها إلا (أم) المعادلة ، لأنّ هل يسأل بها عن شيء مجهول فامتنع وجود (أم) في سياقها وامتنع وجود أم المعادلة ؛ وذلك لأن هل يُسأل بها عن المجهول ، و أم المعادلة تفيد بعض العلم . (26)
ورد عند الشاعر أسلوب الاستفهام بـ (هل) + الجملة الفعلية .
صغيرتي .. عن حالتي هل تسألين ؟
صغيرتي إني حزين ..
اثنانِ أشعر أنني هذا الصباح
واحدٌ يُلقي على الوجودِ بسمةً ..
ويلبس الحروف ضحكة .. و واحد يجتاحُه الأنين (27)
دمج الشاعر هنا أسلوب النداء بأداة النداء المحذوفة (يا) والتقدّير: ياصغيرتي ، وأسلوب الأستفهام بـ الأداة (هل) والجملة الفعلية ، فهو ينادي الحبيبة بتساؤلٍ بسيطٍ يشع بالحزن والأنين (صغيرتي عن حالتي هل تسألين؟) وكأنّها أجابته ليقول لها (إني حزين) فهو يرسم صورة رائعة بأسلوب جمالي يشع بالتراكيب اللّغويّة فالاستفهام والنداء معًا جعل من النص متماسكًا فهو يبين الحالة التي عليها من تشتت عبر انقسامه إلى شخصين أحدهما يتقنع بحروف البسمة بصوت الضحك الذي يحاول إخفاء الشخص الأول الذي يجتاحه الأنين .
وقال أيضاً في قصيدة (لاشيءَ يشبهُكِ الآنَ .. لاشَيءَ !)
لاشيءَ يشبهُكِ الان .. لا شَيءَ .. ؟!
هل يشبهُ الغصن إلا ظلالُهُ ..؟!
هل يشبهُ الصوت إلا صدَاهُ .. ؟!(28)
كرر هنا الشاعر أداة الأستفهام (هل) مع أسلوب الاستثاء ، فهو يرى بأنّ حبيبته لا شيء يشبهه سوى نفسها، فهي مثل غصن الشجر إذ لا يشبهه إلا ظله، و هي مثل الصوت الذي لا يشببه إلا صداهُ، فالشاعر هنا يسأل ثم يستثنى .
4 ـ أسلوب النداء
النداء من الأساليب التي ولع فيها الشاعر حرفوش في ديوانهِ وخاصّة عندما ينادي الحبيبة ، فالنداء في اللّغة : الصوت (29) وفي اصطلاح النحاة هو " تنبيه المخاطب وحمله على الالتفات والإستجابة لِيُقْبل عليك بحروف مخصوصة " (30)و حرف النداء هي (يا) ، (أيا) ، (أيْ) ، (الألف) ، (وا) ، " وتستعمل (يا ،وهيا ،وأيا) للنداء البعيد إذا أرادوا أن يمّدوا أصواتهم للشيء المتراخي عنهم ، والإنسان المُعرِض عنهم ... أو النائم المستثقل " (31) يجوز النداء للقريب بهذه الأحرف على سبيل التوكيد (32) وقد أخرج المبرد (يا) من مناداة القريب الذي هو في حكم البعيد لأنه ساهٍ أو غافل أو نائم وجعلها مقتصرة على (أيا) و (هيا) وحجته إنهما لمدّ الصوت . (33)
و مما تجدر الإشارة إليه أن (يا) النداء هي أكثر أدوات النداء استعمالاً في الديوان من ابتداء عناوين القصائد مرورًا بالأبيات و من صورها :
1ـ يــا + المنادى (اسم الفاعل) .
ابتدأ الشاعر قصيدتهِ بعنوان (يَا هَاجِرًا أَضْنَتِ الأَرْوَاحَ فُرْقَتُهُ) بالنداء باسم الفاعل، ثم قال :
فَغِرْتُ مِنْ عِشقِهِ إِيَّاكَ ... يَاعَجَبَا !
يَاهَاجِر اًأَضْنَتِ الأَرْوَاحَ فُرْقَتُهُ(34)
البيت متناغم مع القصيدة كأنّه تكرارٌ للعنوان وهذا " التكرار يضع في أيدينا مفتاحًا للفكرة المتسلطة على الشاعر ، وهو بذلك أحد الأضواء اللاّشعورية التي يسلطها الشعر على إعماق الشاعر فيضيئها بحيث نطلع عليها أو لنقل أنّه جزء من الهندسة العاطفية للعبارة ، يحاول الشاعر فيه أن ينظم كلماته بحيث يقسم أساساً عاطفياً من نوع ما " (35)
تكرار الأداة (يا) مرة جاء في عجز البيت الأول (يا عجبا) ومرة جاء في صدر البيت الثاني (يا هاجراً) ، فالشاعر ينادي الحبيبة بقوله يـ (هاجراً) ثم يبين حالته ببعدها ، فقد وصف بعدها بفراق الروح ، فهو يناديها لتشاركه ألم الفراق بعد أن عز عليهما اللقاء .
2ـ صيغة المنادى المضاف إلى ياء المتكلم
نجد صور النداء بـ (ياء) المتكلم وردت بصورٍ متعددةٍ كلّها ينادي فيها الحبيبة من صورها (ياملاكي ، ياصغيرتي ، ياحلوتي ، يامهجتي ) ومنها ابتداء قصيدته بعنوان (ياحلوتي أدمنته السهرا) .
ياحُلوتي أدمنتُهُ السّهَرَا
حتى أناجِيَ وجهَكِ القَمَرا
فيبُوحُ قلبٌ ما يكابدُهُ
من حَرّ شوقٍ كم به ظهرا
ياحُلوَتي عُذرًا ... إذا أبْدَىَ
قلبي هوىً في نبضهِ استْتَرَا(36)
كرر الشاعر النداء هنا لمنادى واحد موصوف وليس محددًا والنداء لصفة المنادى وليس لشخصه، فكرر النداء مع الصفة للتأكيد على إن المنادى واحد وهو المقصود.
3ـ يـا + المنادى المفرد
قال الشاعر في قصيدته (قالت .. وقلتُ)
ياسعَد مَنْ يَهْوَاهُ قلبُ حبيبهِ
يسمُوُ إلى طُهْرِ الهَوَىَ يَتَبتّلُ
كيفَ الوُجُودُ يطيبُ فيه ويجمُلُ (37)
استعمل الشاعر هنا (يا) النداء مع المنادى العلم المفرد (سعد) ليرسم لنا في هذه الأبيات صورةً أدبيةً ولوحةً فنيةً تمثلت في تجربة عاشها الشاعر فعبر عنها وجدانيًا في هذه الأبيات التي يظهر فيها أنّه يشكو لصاحبه الذي ناداه بنداء أقرب إلى الشكوى منه إلى معنى النداء الحقيقي، فهو ينادي بطول نفسٍ يعبر عن حسرة في داخله على ما جر به .. ليجد من يستمع إليه فيناديه بنداء القريب رغم أنّه بقربه وليس بحاجة إلى النداء، لذا فالنداء ليس لطلب المجيء من المنادى بل للإصغاء والتأمل من المنادى لما سيقوله المتكلم فخرج هنا من كونه طلب الإتيان إلى طلب الإصغاء، وهو أقرب إلى نداء الندبة التي من معاني النداء .
فالشاعر يصف الهوى لصاحبه و ما ينتج عنه من سمو وطهارة ، ثم يناديه ليوضح له ما آلت إليه حال قلب المحب الذي رأى كل شيء أمامه جميل
4 ـ يــا + المنادى النكرة غير المقصودة
يَا رَجُلاً أَهْوَاهُ مِثَالا في طُهْرِ غَرَامٍ .. وبَيَانِ
يا رَجُلاً أهْوَاهُ .. عَفِيفاً في شِعْرِهِ لَفْظا ومعَاني(38)
وظف الشاعر هنا أداة النداء (يا) مع المنادى النكرة غير المقصودة وهي (الرجل) إذ يتكلم هنا عن لسان الحبيبة التي تتكلم عن رجل لا تعرفه لكنها رأت منه ما يؤهله ليكون حبيبًا لها لذا نجد المنادى بالنكرة غير المقصودة التي تدل على أنه نداء لكل شخص يتصف بهذه الصفات يكون حبيبًا لها .
5ـ يــا + المنادى المضاف
ياحُلْوَةَ الرّوح .. والعَيْنَيْنِ فأصْطَبِري
وصُبّي شَهْدَكِ شؤْقًا واملئي كَاسِي(39)
لجأ الشاعر هنا إلى أسلوب النداء باستعمال أداة النداء (يا) مع المنادى المضاف (حلوة الروح) ينادي الحبيبة في هذا المقطع بعد أن يصفها بما فيها من جمال ، فالنداء مع المنادى المضاف لمعرفته بها التي جعلته يتخذ من صفاتها ما يناديه بها
ــ المستوى الإيقاعي
يشكّل الإيقاع الجانب المهم والأبرز في القصيدة العربية فهو تطويع بين الصوت والكلمة والتغيير والتركيب، باللّغة مأخوذ من الجذر (وقع) والوقع : وقع على الشيء ، و وقع المطر بالأرض ، يقال سقط والإيقاع : من إيقاع اللّحن والغناء وهو أن يوقع الألحان ويبنيها . (40) أما في الأصطلاح : فإن أول من استعمل الإيقاع هو ابن طباطبة في كتابه عيار الشعر قائلاً : " وللشعر الموزون إيقاع يطربُ الفهم لصوابه " (41)، وقد عرف كمال أبو ديب من المحدثين الإيقاع على أنّه : " الفاعلية التي تنتقل إلى المتلقي ذي الحساسية المرهفة الشعور بوجود حركة داخلية ذات حيوية متنامية تمنح التتابع الحركي وحده نغمية عن طريق إضفاء خصائص معينة على عناصر الكتلة الحركية " (42)
فإلايقاع يقسم إلى نوعين :
1 ـ إيقاع خارجي:
سأتحدث فيه عن الإيقاع الخارجي للقصيدة من تقطيع عروضي، والبحر الذي تنتمي إليه القصيدة والقافية والروي،
ــ التقطيع العروضي
قصيدة (شكرًا لوردتك) أنموذجاً للتقطيع العروضي
شكرًا لوردتك التي أَهْديْتَها
ـ ـ ب ـ / ب ب ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ
مُتْفاعلن مُتْفاعلن مُتْفاعلنـــ زحاف (مُتْفاعلن) تسكين الثاني المتحرك .
فرأيتُ منها بعض طيب شذاكِ
ب ب ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ / ب ب ـ ـ
متفاعلن متفاعلن متفاعل ـــــ علة (حذف الآخر وتسكين ما قبله)
وسمعتُ في أرواقها همس الهوى
ب ب ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
وجمالَ همس الكون .. سحر صداكِ
ب ب ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ / ب ب ـ ـ
متفاعلن متفاعلن متفاعلْ ــــ علة لازمة
إن ودّعتْ أيامَنا أحلامُنا
ـ ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ / ب ب ـ ـ
متفاعلن متفاعلن متفاعلنــــ زحاف
سُيظل حلمُ العمر .. يومَ لِقاكِ
ب ب ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ / ب ب ـ ـ
متفاعلن متفاعلن متفاعلْ ـــــ علة لازمة
ويظل قلبِ .. مدارهُ بمداركِ
ب ب ـ ب ـ / ب ب ـ ب ـ / ب ب ـ ب ـ
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
نجماً .. و نورُ النجم بعضُ سناكِ
ـ ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ / ب ب ـ ـ
متفاعلن متفاعلن متفاعلْ
زحاف زحاف علة لازمة
ويظل يهفو .. والحنين يشدّه
ب ب ـ ب ـ / ب ب ـ ب ـ / ب ب ـ ب ـ
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
وهواهُ أن يحيا . مداهُ .. مَداكِ
ب ب ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ / ب ب ـ ـ
متفاعلنمتفاعلن متفاعلْ ـــ علة لازمة
فإذا مَلَلْتِ .. حلوتي أشعارهُ
ب ب ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ
متفاعلن مَتْفاعلن مُتْفاعلن
زحاف
فالحَلمُ .. أن يَحْيَا على ذكراكِ
ـ ـ ب ـ / ـ ـ ب ـ / ـ ـ ـ
مُتْفاعلن متْفاعلن مُتْفاعلْ
زحاف زحاف علة لازمة (43)
ـ بحر القصيدة
وظف الشاعر في قصيدة (شُكْرًا لوردتكِ) البحر الكامل الذي يمتااز عن غيره من البحور الأخرى بسعة مساحته الإيقاعية ، وهو أيضاً ذو جزالة وحسن وإطراء (44) و ذو " نغم مجلجل رنان يصلح لكلّ ماهو عنيف ولا يسوغ فيه التأمل والتعمق بحال من الأحوال " (45)
ـ الروي
كان الروي متغيرًا في الديوان، فلم يستقر الشاعر على روي واحد في معظم القصائد وإنّما راح يغير حرف الروي في كل سطر ومثال على ذلك قصيدة (فاصلة)
أنتِ ولاشيءٌ سِوَىَ أنتِ
شَكِّي ، وإيمَانِي وَ مُشْكِلَتِي
كم حَارَ فِيكِ القَلْبُ كم تِعبَ
كم حَيَّرَتْ أوْصَافُكِ لُغَتِي
غَنَّيْتُ قبلك ، مَاحَلاَ نَغَمٌ
والكَوِنُ لم يَطَرَبْ لأُغْنِيتِي
حَتَّى إذا غَنَّيْتُكِ فهُوَ النّشْوانُ
من عِشْقٍ ... لُملهمَتي
والشِّعرُ لا تَحْلُو أَوَائِلُهُ
إلا إذا ما كُنْتِ قَافِيَتِي(46)
تنوع حرف الروي عند الشاعر بين التاء المكسورة ، والياء ، والياء المفتوحة ، والميم المضمومة ، والنون المضمومة ، والهاء المضمومة ، وهذا التعدد في الروي هو ترجمة للقلق الوجودي الذي يعيشه الشاعر و هو صورة للتشتت والضياع الذي يطبع شخصية المواطن العربي جراء السنوات الصعبة التي يعيشها الوطن العربي فجاء التنويع في حرف الروي رغبة منه في التحرر من القيود والضغوط والمآسي التي تلاحقه .
2ــ الإيقاع الداخلي
ويتمثل الإيقاع الداخلي للقصيدة بالتكرار الصوتي ، والتكرار اللفظي ، والموازنة .
ـ التكرار الصوتي
مثال على ذلك قصيدة (مَا هَمَّني يقسو الزمان وأنتَ لي)
أفديكِ من هم ، ومن أوْصَابِ
يامَنْ أثَرتِ وبالشُّجُونِ عَذابي
وأثرتِ دمعي .. يا جميلةَ قوْمِها
فالحُزنُ خبزي ، والأنين شَرابي
إن كنتِ آثرت النَّوىَ ، فأنا هنا
أحْيَا على الذِّكرى ، وحَلْمِ إيَابِ
مَاهَمَّني يقْسُو الزَّمانُ وأنتِ لي
فإذا هَجَرْتِ ، فمَنْ سَيطْرُقُ بابي ؟! (47)
نجد في هذا النص الشعري تكرار صوت (الياء) في (أفديك ، يامن ، عذابي ، دمعي ، يا جميلة ، خبزي ، الأنين ، شرابي ، أحيا ، إياب ، ماهمني ، يقسو ، لي ، سيطرق ، بابي ) .
ولاشك أن هذا التكرار لمثل هذا الصوت وهو (الياء) لهُ دلالتهِ عند الشاعر فهو كرره خمسة عشر مرة ، والياء صوت مجهور ، فما نستكشفه من النص أنّه يحاكي نفسه القلقة المعذبة التي تتناسب مع هذا الصوت، فهو يتلائم مع ما يصبو إليه من ألم وحزن وحسرة وعذاب فقد شكل صوت (الياء) في هذه القصيدة نغمًا إيقاعيًا موسيقيًا أسهم في تماسك النص .
التكرار اللفظي
مثال على التكرار اللفظي قول الشاعر في قصيدة (أطلت الغياب)
أطلتَ الغيابْ ..
كرهتُ انشغالك .. كرهتُ انتظارْك
كرهتُهُ حتى إذا كانَ عنّي سُؤالُكْ
كرهتُهُ منّي السؤالْ .. كرهْتُ لأني سأحيا
ارتجي للجَوَابْ
أطلتَ الغيابْ ..(48)
عند ترديدنا لهذا النص يلفت انتباهنا لفظة تكرر وهي (كرهتُ) ولاشك أنّ الشاعر لم يرددها اعتباطيًا أو عبثًا ، وإنما كان من وراء هذا التكرر هدف أو دلالة وهو أن الشاعر يعبر عن نفسهِ التي سئمت وكرهت الانتظار الذي أطال وبطوال هذا الغياب جعل منه يكره الانتظار يكره السؤال الذي يرتجي له من إجابة ، ولهذا الغياب أثر كبير ومؤلم على نفس الشاعر ، خاصةً إذا كان هذا الغائب هو من تهواه الروح ويريده القلب ، فالألم الذي تركه الحبيب في نفس الشاعر جعله يكره الحالة التي هو عليها من انتظار و سؤال دون جواب .
ــ الموازنة
مصطلح يعنى به " أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن " (49)
قَلْبي لهجرِكَ يومًا .. لَمْ يَجِدْ سَبَبا
يامَنْ هَجَرْتَ و زِدّتَ اللَوْمَ .. والعَتَبا
يَامَنْ هَجَرْتَ ، فهذا حَرْفُ قَافِيَتِي
كمْ راحَ يرجُو ويَشْكُو الحُزْنَ والسَّغَبَا ! (50)
فـ (سَبَبَا ، عَتَبا ، سَّغَبَا) متشابه صرفيّا فـ السبب هو الحبل وكل شيء يتوصل به إلى غيره ، والعتب متأتي من الوجد أي : عَتَبَ عليه بمعنى وَجَد عليه ، والسغب هو الجوع والعطش مع التعب . (51)
ــ المستوى الدلالي
ـ نظرية الحقول الدلالية :
الحقل الدلالي هو " مجموعة من الكلمات ترتبط دلالاتها وتوضع بمادة تحت لفظ عام يجمعها ، مثال ذلك كلمة الألوان في اللغة، فهي تحت مسمى عام (لون) يضم ألفاظ مثل : أحمر ، ازرق ، اصفر ، أبيض " . (52)
فكل مفردة من مفردات الحقل الدلالي يندرج تحتها حقلٍ دلاليٍ يضم ما تحتوي من كلمات وفقاً لتقسيماتها وتفرعاتها إلى حقول منتجة بحسب ماهيتها وقربها من بعضها ، وهكذا هي أقسام الكلام من أسماء وأفعال وحروف فيها تقسيمات أخرى متعددة . (53)
ــ الحقول الدلالية الخاصة بألفاظ المرأة :
شكّلت المرأة الحيز الأكبر في ديوان الشاعر الحرفوش فهي الملهمة إذ يخاطبها بأحلى وأجمل الصفات من طهر وعفة ونقاء ، فهو يدافع عنها ويرفع من شأنها ويعتز بها، وقد جاءت في شعره على صورتين المرأة : الزوجة / البنت ، والمرأة : الوطن فقد أخذ يناديها بـ ( ملاكي ، صغيرتي ، حلوتي ، سيدتي ، مهجتي ، مولاتي ، محبوبتي ) فهذه الألفاظ كلها تندرج تحت مسمى واحد وهو (المرأة) ومن تجسيد هذا عنده قوله في قصيدة (تحياتي لمولاتي) :
تحيَّاتي لموْلاتي .. لها حُلْوُ الصَّباحَاتِ
أنا المولودُ في الماضي ومِنْ رَحِمِ المُعَانَاةِ
وحين أجَابِنَي الرّحْمَنُ فِي بَعْضِ ابْتِهَالَاتِي (54)
ـ الحقول الدلالية الخاصة بألفاظ الحب :
تناول الشاعر كل الألفاظ التي تدل على الحب ولغته العذبة والرقيقة ومنها ( العشق، الغرام، مغرم، الهوى، الفؤاد ) كلّ هذه الألفاظ تندرج تحت مسمى عام وهو الحب لوضوح هذا في شعره قوله :
أَحيْا أُبَادِلُهُ عُمْرًا لهُ وُهِبَا
حَتَّى نَمَا عَاشِقاً وَحْيَ الهَوَى فَغَدا(55)
ـ الحقول الدلالية الخاصّة بألفاظ الجسد :
وظف الشاعر لغة الجسد في شعره توظيفًا يعج بالتصاوير التي تداعب القارىء وتستفزه ، ومن هذه الألفاظ ( فوق الشفتين ، خصلة شعرك ، فوق الكتفين ، ينبض في قلبي ، خريطة الجسد ، عيون نجل ، على الخدين بستانًا ، الجسد المعتل ، فوق الصدر) كل هذه الألفاظ تصور الجسد تصويرًا .
وكذلك فالوقتُ يطولُ .. حين يداكِ تُتُابعُ خُصلةَ شَعْرٍ
وهي تطير مع النّسَمَاتِ حينًا تنزلُ فوقَ الصّدْرِ ..
ثم تميلُ تُقَبّلُ حينًا منكِ الجَبْهَةَ .. والخدّينْ ..
أما بحارُ العالم تبدأ من شَلّالِ الكُحْلِ الساحر ..
والساري بين الجَفْنَينْ ..(56)
ـ الحقول الدلالية الخاصة بألفاظ الجمال :
تناول الشاعر في هذا الحقل كل ما يتعلق بجمال المرأة سواء كان جمالًا ظاهريًا أو جمالًا باطنيًا ومن هذه الألفاظ التي وردت عند الشاعر ( سحرك ، غرورك بالجمال ، سر جمالك ، مقياس حسن العذاري ، حسن وجهك ، وجه المرايا) .
فَسِحْرُكَ سَوفَ تُبْطِلُهُ اللَّيَالِي
رَطِيبُ الغُصْنِ ... يأْكُلُهُ الذُّبُولُ
غُرُورُكَ بالجَمَالِ غداً سَيَفْنَىَ
و وَجهُ الشَّمْسِ .. يَعْروهُ الأُفُولُ (57)
ـ الحقول الدلالية الخاصة بألفاظ اللّون :
يسعى الشاعر بالألوان ليعبر عن عُمقه العاطفي وجوهره الفكري فاللّون عنده ذات دلالات وعلاقات متعددة وإن " الصور والألوان تنطلق من جوانية الشاعر، وخبرته البصرية، و وعيه التاريخي وحفرياته الأسطورية، وتجربته النقدية، وتجواله ومشاهداته التشكيلية ، وتنوع اهتماماته بين الفنون، بحيث تصبح الصورة ليست مجرد أداة للمعرفة فحسب ، وإنما أداة للحرية أيضًا " . (58)
فقد ضم حقل اللّون عند الشاعر عدد من الألوان منها ( الأبيض ، الأشقر ، الأزرق ، الكستنائي ) لكل لون دلالة معينة فاللون الأبيض يرمز إلى " الطهارة والنور والغبطة والفرح والنصر والسلام " (59) وكذلك يرمز " للصفاء ، ونقاء السريرة ، والهدوء والأمل ، وحب الخير والبساطة في الحياة وعدم التقييد والتكلف " (60)
ياربي ها أنَا ذا ..
أنثرُ بين يديكَ أنينَ النّجْوَىَ .. فوق بياضِ الأوراقِ ..(61)
اللون الأزرق من الألوان التي تدل على الوقار والصفاء والسكينة والهدوء والتأمل الباطني والتخييل الهادئ ، كما وإن العرب تكره اللون الأزرق والعيون الزرقاء فاتهموا أصحابها بالكذب واللّؤم (62) وقد استعمل الشاعر حرفوش اللّون الأزرق لدلالة على التخييل و التأمل:
شقراءُ .. ما أحلاكِ حينَ تَلوحُ في العَيْنَيْن زُرْقَةُ البَحْرِ
الشَّمَالِيِّ
إذا اخْتَلَطَتْ بسِحْرِ الشَّرقِ(63)
ـ الحقول الدلالية الخاصة بألفاظ الأزهار والورود :
الزهرة : نور كل نبات ، والجمع زَهْرُ وأزهار ، واسم الجمع منه : أزاهير ، اما الوردة : فهي نورة الشجرة ، فالزهرة والوردة تجتمعان في معنى النورة . (64)
للورد لغة رومانسية خاصّة تكشف عن حب وشوق و ألم وعذاب لاتقرأأبحديتها العين المجردة بل تقرؤها المشاعر والأحاسيس والشاعر الحرفوش وظف الزهور والورد على أساسًا من هذا فقد سمى ديوانه باسم (زهور الغاردينيا) وجاء كذلك ( زهور البنفسج ، زهور الحناء ، وردة القرنفل ، وردة الصبار ، وردة السوسن ، وردة الربيع ) .
فالزهرة والوردة تعد معادلاً رمزيًا للمرأة الحبيبة إذ وصفها بصفة جمالية وعدّها معادلاً للوردة (65)
وبين الشفاهِ جمالُ اللآليءِ
فوق الشّفَاهِ خَبّاَ حُمْرَةَ وَرْدِ القَرنفلِ(66)
فزهرة القرنفل زهر جميل يؤجل رحيقه وهو يرمز إلى التأجيل في الموعد أي موعد رحيقه وهو مع الرحيق والنمو الفائض بالجمال من نبض الزهرة، فزهرة القرنفل مشبعة بالرحيق ومثقلة بالعشق و ألوانها جميلة تعطي الصورة الشعرية روحًا جديدةً(67)
الخاتمة:
إنّ النزعة الرومانسية والنزعة الواقعية تشكل حيزًا تكامليًا في خلق صورة شعرية جمالية متكاملة عند الشاعر ،و حسين حرفوش أضاف إلى حقل الشعر كتابات عديدة تمتاز بلغة الاسترسال ، إذ يعج ديوانه بالتصاوير وكثرة الحوار والمشاهد الحيّة ، فالمرأة تشكل عنده المُلهمة فهو يدافع عنها ويرفع من شأنها فقد رُسمت في شعره بألق جمالي مثير، وليس بغريب على الشاعر فهو يمتلك مهارة لغويّة وقدرة إبداعية جعلت من نصوصه نسيجًا لغويًّا تركيبيًا وإيقاعيًا يتناغم مع مفرداته من خلال التناسق الإيقاعي سواء كان داخل النص أو ما يحيط بالنص ، وتحليلها تحليلاً دلاليًا لتعزيز الصورة من خلال حقولها ذات الملامح الدلالية المشتركة، ومن أهم النتائج التي توصل إليها البحث هي :
1 ـ لجأ الشاعر حرفوش إلى تقديم الخبر ليشد انتباه القارئ ويجعله متحمسًا لمن قام به أو بدر عنه فقد كثر عند الشاعر أسلوب التقديم والتأخير بالجملة الأسمية .
2 ـ تناول البحث كيفيه الحذف من النص الشعري فالشاعر يحذف جزء من الكلام أو يستغني عن جملة أو كلمة وهذا الاستغناء ليس اعتباطًا بل لوجود ما يدل عليه في النص لهذا فهو لجأ لأسلوب الحذف للتخفيف من الثقل والعبء الذي يعتري النص وليصل القارئ إلى مراد القصيدة بسهولة ويسر .
3 ـ يُعدّ أسلوب الاستفهام من الأساليب التي شكّلت ظاهرة كبيرة في شعر حرفوش؛ لما له من أهمية فقد كثر عنده الاستفهام بأدوات عديدة منها (الهمزة ـ هل) و قد خرجت لدلالات متعددة منها التعجب والعتاب ، وقد مزج الشاعر بين أسلوب الاستفهام والنداء تارة وبين الاستفهام والاستثناء تارة أخرى .
4ـ كشف أسلوب النداء الذي ولع به الشاعر وهو النداء ب (يا) فهو ينادي الحبيبة ويصف ما عليها من جمال حينًا، وحينًا آخر يرسم لنا معاناتهِ بعد الهجر بأسلوب جماليٍ توصيفيٍ دقيقٍ في التعبير عن حالتهِ وخلق مشهد مأساوي بأسلوبٍشاعريٍ.
5 ـ في المستوى الإيقاعي وجدنا أنّ الشاعر لم يستقر على رويٍ محدّدٍ والسبب في هذا يرجع إلى القلق الوجودي الذي يعيشه الشاعر وكذلك للرغبة في التحرر من القيود والمآسي التي تلاحقه، كذلك يميل إلى البحور الإيقاعية ذات السعة الواسعة و الجزلة.
6ـ أما في المستوى الدلالي فقد وظف الشاعر عدد من الحقول الدلالية التي تندرج تحت كل حقل منها مجموعة من الكلمات التي تربطها علاقات ترادف وتضاد وتقابل سواء كان جزئي أو كلّي وهذا ما كشفنا عنه في ثنايا البحث هذا.
الهوامش:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)مفاهيم الشعرية، حسن ناظم، ط1 ،المركز الثقافي العربي،بيروت ـــ لبنان، 1994 م،ص : 17 .
(2)تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التناص ، محمد مفتاح ، ط3 ،المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، 1992 ، ص : 70 .
(3)الكتاب ، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه ، تحقيق : عبد السلام هارون ، ط2 ، دار الكتب العلمية ، لبنان : 2/212 .
(4)نفسه : 1/65 .
(5)دلائل الإعجاز ، عبدالقاهر الجرجاني ، تحقيق :: محمود محمد شاكر ، مكتبة الخانجي – مطبعة المدني ، 2008م ، ص :33 .
(6)أساليب بلاغية لفصاحة البلاغة المعاني، أحمد مطلوب، ط1، وكالة المطبوعات، الكويت، 1989 ،ص : 198 .
(7)التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني ، عبد الفتاح الاشين ، دار المريخ ، الرياض ، ص : 142 .
(8)ديوان إلى زهرة غاردينيا : حسين حرفوش ، ط2 ، دار روعة للطباعة والنشر ، 2013 م ، 30 .
(9)م ــ ن : 14 .
(10)ينظر : التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني : 159 ـ 160 ، والبلاغة الواضحة، على الجارم و مصطفى أمين ، دار المعارف ، 1999م ، ص : 241 .
(11)ينظر: جواهر البلاغة في المعاني والبيان و البديع، السيد أحمد الهاشمي ، ط1 ، المكتبة العصرية ، 1999م ، ص: 119 .
(12) ينظر: لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور، ط4 ، دار صادر للطباعة والنشر ، 2005م ، مادة (حذف) .
(13) ينظر : شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ، محمد محي الدين عبد الحميد ، ط20 ، مكتبة دار التراث ، القاهرة ، 1980م ، ج1/ ص 243 .
(14) الديوان: 16 .
(15)الديوان : 66 .
(16)الديوان : 66 .
(17)ينظر : لسان العرب ، مادة (فهم) .
(18)الكتاب : 1/8 .
(19)التعريفات ، علي بن محمد السيد الشريف ، تحقيق : محمد صديق المنشاوي ، دار الفضيلة للنشر والتوزيع ، ص :27 .
(20)ينظر : الكتاب :1/91، ومفتاح العلوم ، يوسف بن ابي بكر بن محمد السكاكي ، ط1 ، مصطفى البابي الحلبي ، مصر ، مطبعة الرسالة ، 1937 م ، ص : 148 ـ 149 .
(21)الخصائص: أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق : محمد علي النجار ، ط5 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2011م ، ص : 3/269 .
(22)الديوان: 23 ـ 33 .
(23) م ـ ن : 19 .
(24)م ـ ن .
(25)ينظر : معاني الحروف ، أبوالحسن الرماني ، تحقيق :عرفان بن سليم حسونة ، المكتبة العصرية ، بيروت ، ص : 100 .
(26)ينظر : مغني اللبيب من كتب الأعاريب ، جمال الدين بن هشام ، تحقيق : دـ مازن مبارك ، ط6 ، دار الفكر ، دمشق ، ص : 1/14 .
(27)الديوان: 26.
(28) م ـ ن .
(29)لسان العرب: مادة (ندى).
(30)الأصول في النحو :أبو بكر محمد بن السراج ، تحقيق : عبد الحسين الفتلي ، ط3 ، مؤسسة الرسالة ، لبنان ، بيروت ، ص : 1/401 ، وينظر : شرح المفصل :8 ابن يعيش ، ط1 ، دار الكتب العلمية،بيروت–لبنان ، 2001م ص : 1/120 ، و إرتشاف الضرب ، أبوحيان الأندلسي ، تحقيق : رجب عثمان محمد – رمضان عبد التواب ، ط1 ، مكتبة الخانجي ، 1998م ، ص : 3/117 .
(31)الكتاب : 2/230 ـ 232 ،وينظر : الأصول في النحو : 1/400 ـ 401 ،المقرب ، ابن عصفور الإشبيلي ، تحقيق : عادل أحمد عبد الموجود و علي محمد معوض ، ط 1 ، :دارالكتب العلمية ، 1998م ، ص : 192 .
(32)ينظر: الكتاب : 2/230 ـ 232 ،والأصول : 1/401 .
(33)المقتضب: أبوالعباس محمد بن يزيد المبرد ،تحقيق : محمد عبد الخالق عظيمة ، ط1 ،وزارة الأوقاف المجلس الأعلى بلشئون الإسلامية لجنةإحياء التراث الإسلامي،القاهرة، 1994م ، ص:4/235 .
(34)الديوان:45 .
(35)قضايا الشعر المعاصر، :نازك الملائكة ، ط3 ،منشورات مكتبة النهضة ، 1967م ، ص: 242 ـ 243 .
(36) الديوان: 55 .
(37) م ـ ن :50
(38) م ـ ن : 66 .
(39) م ـ ن : 59 .
(40)لسان العرب: مادة (وقع).
(41)عيار الشعر : ابن طباطبا ، تحقيق : محمد زغلول سلام ، ط3 ، منشأة المعارف ، الاسكندرية ، د . ت ، ص : 53 .
(42)المثل السائر : ضياء الدين بن الآثير ، تحقيق : أحمد الحوفي وبدوي طبانة ، دار نهضة مصر ، د . ت ، ص : 1/291 .
(43) الديوان :90 .
(44)ينظر : منهاج البلغاء وسراج الأدباء : حازم القرطاجني ، دار الكتب الشرقية ، تونس ، 1966 م ، ص : 269 .
(45)المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، عبد الله الطيب، ط2 ، دار الفكر ، بيروت ، 1970م ، ص : 55 .
(46)الديوان : 68 .
(47) م ـ ن .
(48)م ـ ن : 80 .
(49)المثل السائر: 1/291 .
(50)الديوان : 54 .
(51)ينظر : لسان العرب : مادة (سغب) ، الصحاح في اللغة مادة (عتب) ، ومختار الصحاح : مادة (سبب) .
(52)علم الدلالة ،أحمد مختار عمر، القاهرة ، 2003 م ، ص :79 .
(53) ينظر : الجمل في النحو ، الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ط1 ، مؤسسةالرسالة، 1985 م ، ص : 10 ـ 11 .
(54)الديوان: 43 .
(55) ن ـ م : 45.
(56) ن ـ م : 30 .
(57) ن ـ م : 19 .
(58)المعجم اللوني في شعر عز الدين المناصرة ( بحث)، حسين نشوان، مجلة أفكار ، تصدر عن وزارة الثقافة ، الأردن ، ع : 179 ، تموز ، 2014 م ، ص : 126 .
(59) اللّون ، محمد يوسف همام ، ط1 ، مطبعة الاعتماد ، القاهرة ، 1930 م ، ص : 7 .
(60) علم عناصر اللّون ، فرج عبو ، دار دكفن ، إيطاليا ميلانو ، 1984 م ، 2/137 .
(61)الديوان: 11 .
(62)العيون في الشعر العربي، محمد جميل الحطاب، ط3 ، مؤسسة علاء الدين للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق ، 2003 م ، ص : 85 .
(63) الديوان : 40 ,
(64)لسان العرب : مادة (زهر) ، ومادة (ورد) .
(65) دلالات الأزهار في ديوان (ما أقل حبيبتي) للشاعر راشد عيسى (بحث) ، د . عوض صبحي الفاعوري ، مجلة دمشق ، مج : 22 ، ع : 3 ـ 4 ، 2006م ، ص : 184 .
(66) الديوان : 31 .
(67)رمزية الزهور في الشعر العربي المعاصر ، باسل عبد العال ، الشبكة العنكبوتية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق