الصفحات

النُّصُبُ ...* فاتن فاروق عبد المنعم

⏫⏬
في أجواء شهر يناير الشتوية ، وسنان الزمهرير تخترق جسدي ،طوقت جسدي بذراعىَّ أستدفئ بهما ، وقد أخذ قبطان الطائرةِ يرتفع
بها تدريجيا عن الأرض ، باحتراف مُشَوِّقٍ ، وها هو النهار يطارد الليل ، يجليه عن كوننا ليبسُط فسطاطه ، على كونٍ بالجانب الآخر من الأرض.
‎ألصقت وجهى بزجاج النافذة المجاورة ، ألمح من بعيد ، كلبًا يلتهم في ترقبٍ وفزع ، أجساد أربعة قطط مولودة للتو ، أو هكذا تبدو لي ، بينما الأم تقترب منه فِي جزعٍ ، ثم تعود أدراجها ، تقفز من بعيد هرولة ، ثم تقترب وتبتعد ، ومواؤها يقطع نياط القلوب ، لتقف في النهاية كسيفة حزينةً ، وقد رأت أجسادهم بين أنياب الكلب. . . ‎
ارتفعت بنا الطائرة ، تضرب في غياهب السحب ، فلم أعد أرى بقية التفاصيل ، وإن لم تغب الصورة عن عينىَّ وخاطري ، تلك التفاصيل التي لم تعد تهم ، فما هو المهم الذي من أجله تركت الأهم ؟
النُّصُبُ ، منذ بدء الخليقة ، منصوبٌ رواقها ، لم ينقض بنيانه بعدُ ، والطريق إليها معبدةٌ ، دون معوقات تذكر ، أو هكذا شاء من أقاموها ، أن يجعلوا الطريق إليها سهلة ميسورة ،
وقانونها الأزلي لم يتغير ، الذبائح لابد أن تكون من أنْفَسِ ما نملك ‎
فهذا أول شروط قبول القرابين ،
والذي يتلقاها يجلس في صراطنا المستقيم ، وبغرورٍ وعنجهية ، يخرج إلينا لسانه ، كبرًا واستهانة.
‎أبونا من قديمٍ ، قدم الجنة بمكوناتها
وتفاصيلها إليه ، ليشقى وذريته ، على بسيطة ديدنها الكَبَدُ والشَّقَاءُ ، وتبعه أبناؤه الأشقياء ، لا يألون جهدًا ، في تقديم القرابين
، على مر العصور والأزمنة ، مضحين بأَنْفَسِ ما يملكون ، سعيًا وراء أوهام في خيالاتٍ مريضة
. ‎الأمر لم يختلف كثيرًا ،
عما كان يفعله الإنسان الذي زاحم الحيوانات في سكنى الغابات ، فطرق الذبح مختلفة ، ولكن النُّصُبَ واحدة ، ومتلقي القربان واحد.
‎لم يختلف كثيرا مشهد الأب الذي يذهب إلى النُّصُبِ ، ليقدم ابنه ذبيحة ، لإله صنعه بيديه ، أو صنعه له آخرون ، عن مشهد القطة الحزينة ، التي تركت صغارها في ذِلَّةٍ واستكانة ، ولا تلك المحصودة أرواحهم فرادى وجماعات ، في كل بقعة على سطح هذا الكوكب ، فالأوثان أقيمت مرة أخرى ، ولكنها الآن مقامة في النفوس ،
وبحاجة إلى معول نبيٍّ للقضاء عليه.
‎والنار مازالت مشتعلة ، ولكنها ليست بردًا ولا سلامًا على أجسادٍ تُشوى ، والغانيات ما زلن يرقصن فوق جمرها ، في خفَّةٍ ورشاقةٍ ، وتجتهدن في الابتذال ، ظنًّا منهن أن هذه الكيانات التي يطالعنها لديها نفوسا مذكرة ، وفي خبيئةِ هذه السراويل ، أعضاءٌ تصبوا إليهن

. ‎العيون الشبقة ،
ترقب حلول الربيع ، ليزيح الزمهرير وقسوته ويأسرنا بألوانه الصاخبة ، صخب الحياة البريئة من صخب البارود

، . ‎صناع الآلهة لم
يتوقفوا بعد ، فتلك بضاعتهم الرائجة ، التي من أجلها تسن النِّصال ، ويتصدر الموت فوهات المدافع ،
تلك المصوبة للصدور العارية ، فمن يعيرها دروع الخالدين ، واقتحام الفاتحين ، وترفُّع الزاهدين ؟!
‎القطة كانت تقفز وتثب ، لتستردَّ صغارها من العدم ، فمن تراه منا يرقى مرقاها ؟

* فاتن فاروق عبد المنعم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يمنع نشر أي تعليق مسيء للأديان السماوية, أو يدعو للتفرقة المذهبية والتطرف, كما يمنع نشر أي موضوع أو خبر متعلق بأنشطة إرهابية بكافة أنواعها أو الدعوة لمساندتها ودعمها,أو إساءة للشخصيات العامة
كُل المحتوي و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع .
بعض صور الشعراء و الشاعرات غير صحيحة، نرجو تبليغنا إن واجهت هذى المشكلة
إدارة الموقع لا تتابع التعليقات المنشورة او تقوم بالرد عليها إلى نادراً.