الصفحات

محسوبية الإبداع || بقلم : فضيلة بهيليل

"كان للوحي الشّعريّ إجلال عند جميع الشّعوب القديمة، و كان العرب يعتقدون أنّ لكل شاعر شيطانا من وادى عبقر يوحي إليه بشعره. أمّا منزلة الشّاعر الاجتماعية فكانت عظيمة جدا في ذلك العهد ، فكان الشاعر - على حدّ قول نولدكه - : " .. نبيّ قبيلته و زعيمها في السّلم، و بطلها في الحرب، تطلب الرأي عنده في البحث عن مراعٍ جديدة، و بكلمته وحدها تضرب الخيام و تحلّ "(...) وكانت - إذا نبغ فيها شاعر - تقيم الأعياد و تبسط الولائم، و تتوافد إليها القبائل تهنّئها بمن سيقودها بأقواله، ويذود عن شرفها، ويخلد مآثرها. "(ص:58 من كتاب: تاريخ الأدب العربي، حنا الفاخوري، دار الكوثر.


هذا المقطع المقتبس - و الذي يذكّرني بما كنّا نحفظه أيّام الجامعة عن مكانة الشّاعر قديما، و مكانة الشعر- صار يشعرني بالأسف و الحزن.. أينه هذا الشّاعر و أين هذا الاحتفاء؟! الفرق بيننا و بين العصور القديمة - لاسيما العصر الجاهليّ - أنّ النّبوغ عندهم نبوغ لغة و إبداع و أنّ الاعتراف بكتابات ذلك الشّاعر لا تتوقّف عند قبيلته فحسب، بل و تتعدّاها لغيرها متخذين في ذلك بلاغة اللّغة و سلامتها و جودة الأسلوب معيارا للحكم عن الجيّد من الغثّ الرديء، معتمدين على سلامة سمعهم و ذائقتهم دون حاجة لمدارس يتعلّمون بها مناهج الحكم على النّصوص.
إنّ نبوغ الشعراء و شهرتهم في العصور الأولى إنّما كان يبدأ من قبائلهم أوّلا ثمّ إلى غيرها فيما بعد، هذا إن كان في كلام الشاعر ما يستحقّ الافتخار به ثمّ تكريمه، عن العصور السابقة أتحدّث.
و كان معيار الحكم على جودة الشّعر من عدمه يتمّ عن طريق المناظرة و المفاضلة. و مرآة ذلك تلك الأسواق العربية الأدبية كسوق عكاظ و سوق ذي المجاز و سوق المربد و غيرها. تلك الأسواق فقدت بريقها عندنا و صارت ملتقيات و تكريمات لا تقتصر بالضّرورة على مستحقيها، فالنّبوغ عندنا يكاد يصبح نبوغ وجوه و صداقات و ردّا لمعروف سبق لا أكثر. صار نبوغ شاعر أو كاتب أشبه بصفقة المقاولات التّي يفتّش عنها بعضهم لا تكاد تخرج عن دائرتهم، نفس الوجوه كلّ سنة، نفس العمل الإبداعي و نفس المراتب. يقيمون المسابقات وفق شروط خلاّنهم، أو لأجل أن يرفعوا شويعرا وضيعا و يحطوا شاعرا رفيعا...يرفعون من ينتمي لملّتهم .. لنحلتهم ، يتحدث على طريقتهم، يشبههم .. و يشبه أفكارهم، أما عداه فإلى الوأد و النسيان.. قمحه مرّ في حقولهم و ماؤه مالح ...
لا أنكر أن هناك ملتقيات تناضل من أجل المبدع وتقف بصفه حتى يتمكن من الوقوف ليواصل مسيرته الإبداعية، كما أن هناك مسابقات نزيهة وشريفة همها الأول والأخير هو النص، لكن تظل معدودة في ظل محسوبية طالت كل الجوانب حتى الثقافية منها.
لعلّ المزية الأولى لمواقع التواصل الاجتماعي هي أنّها تيسّر للشاعر بثّ قصائده مباشرة لمريديه دون الحاجة إلى انتظار مسابقاتهم التّي يقتات على فتاتها جلّها من المعارف و الصداقات و الصدقات،
غير أنّي أؤمن بأنّ النّصّ الجيّد سينتصر في الأخير و يفرض نفسه من خلال لغته و موضوعه اللّذين يضمنان بقاءه .. و يضمنان حياته ، و سيلقى رواجا و لو وصل للقارئ زحفا على الحرف على عكس النّصوص التّي تهرول و تصل ركضا للقارئ كأنّها تتسوّل على بابه استعطاف قراءة و نقد. و لا يسعني إلاّ القول: كلّما نبغ شاعر أو كاتب ولّى وجهه للقوم إن كان شبيههم احتفلوا به رغم رداءته و إلا فلن يسمع به غيره.
فلا عجب .. باتّصال واحد يحيا مبدع... و باتصال آخر يموت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يمنع نشر أي تعليق مسيء للأديان السماوية, أو يدعو للتفرقة المذهبية والتطرف, كما يمنع نشر أي موضوع أو خبر متعلق بأنشطة إرهابية بكافة أنواعها أو الدعوة لمساندتها ودعمها,أو إساءة للشخصيات العامة
كُل المحتوي و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع .
بعض صور الشعراء و الشاعرات غير صحيحة، نرجو تبليغنا إن واجهت هذى المشكلة
إدارة الموقع لا تتابع التعليقات المنشورة او تقوم بالرد عليها إلى نادراً.