الصفحات

عَطَشُ الصَّدَى | شعر : مصطفى الحاج حسين

أَرتَمِي على ذِكرَياتي
أحتَضِنُ مَا قَد مَضَى
وأترُكُ دَمعَتي تَسقِي عَطَشَ الصَّدى
كَانَ الوَردُ يَتَفَتَّحُ في ضَحِكَاتِنا
كانَ النَّدى يُرَفرِفُ فَوقَ قُلُوبِنا
وكانت الأرضُ تهمسُ قَصِيدَتها
وَتَشُدُّنا مِن عِشبِ نَبضِنا
وتُبحِرُ في أنفاسِنا
وَكُنتُ أُدَاعِبُ ضَفَائِرَ النّسَمَاتِ
وأُقَبِّلُ وَجهَ اللَحظَةِ

وأقطِفُ عَناقِيدَ النَّشوَةِ
حينَ أصابعُ البوحِ
تمتدُّ نحوَ أغصَانِ رُوحِي
لَم تَكُن فَرَاشَاتُ أيَّامِنا
تَشعُرُ بِخَطَرِ اللَهَبِ
والعَصَافِيرُ لَم تَكُن تُدرِكُ
أنَّها مُهَدَّدَةٌ بالإبادَةِ
زُلزِلَ المَكَانُ
تَطَايَرَ الفَرَحُ
شَبَّ السَّعِيرُ
وجَفَّتِ اليَنَابِيعُ
وَصُرنا خَلفَ المَدَى
تَنَاثَرنَا فَوقَ الرَّمَادِ
وَتَبَعثَرنا في أقاصِي الغِيَابِ
أَرضُنَا أَجهَشَت بالخَرَائِبِ
وامتَدَّت أَيَدِي الأخَطَبُوطِ
تَغرِزُ في قُلوبِنا أنيابَ المَوتِ
نارٌ تَنهشُ الماءَ
تَنقَضُّ على الهَواءِ
وَتَشوي تَارِيخَنا
وتَمَّ إعدامُ الأمَانَ
يَذبَحُنا كُلَّ مَن يُصَادِفُ عُريَنا
وانكِسارَنا
وارتِعاشَاتِ حَناجِرِنا
صَار المَوتُ يُعَلّبُنا بِلا أَكفَانٍ
وَأَصبَحَ العَالَمُ بِلا أَجفَانٍ
يُطَارِدُنا مَن كُنّا نَأنَسُ لَهُ
وَنَتَقَاسَمُ مَعَهُ خُبزَ أُمُّنَا
دَمُنا يُسَابِقُنا
أرجُلُنا تُلاحِقُنا
وأنفَاسُنا تَتَخَلَّى عَنَّا
تَقطِفُنا الأَشجَارُ مِن تَحتِ ظِلالِها
تَرجِمُنا السَّمَاءُ
وَتَخطُفُنا الضّواري
والمطَرُ يَزدَرِدُ شِفَاهَنا
والأرضُ مِن تَحتِنا
تَغُوصُ في شَدَقِ الانحِدَارَاتِ
كُلُّ شَيءٍ يَنحَدِرُ بِنا
إلى قِيعَانِ التَّوَحُّشُ
وَكُلَّمَا بَزَغَ ضَوءٌ
في رَحَى الفَجِيعَةِ
اِمتَدٌَت إِلَيهِ ألسِنَةُ العُتمَةِ
لا شَيءَ يُؤوي لُهَاثِنا
لا شَيءَ يُشفِقُ على ذِكرَانا
صُرنَا ..
وَكَأنَّ لا وُجُودَ لَنَا
لا أدِلَّةَ عِندَنا
على أنَّنا مِن خَلقِ اللهِ
الأُخوَةَ العَرَبُ يَتَشَاجَرُونَ
وَيَختَلِفُونَ وَيَتَقَاطَعُونَ
وَيَتَوَزَّعُونَ على أَحضَانِ الأَعدَاءِ
لِأنَّهُمُ اِختَلَفُوا فِيمَا بَينَهُم
على طَرِيقَةِ قَتلِنا وَمَوتِنا وَتَشَرُّدِنا
أَنَذبَحُ بِالسِكِّينِ أَم بَالسَيفِ ؟!
أَنَمُوتُ عَطَشَاً أَم جُوعَاً ؟!
أَنَغتَصِبُ الرّجَالَ أوَّلاً
أَم النِّسَاء ؟!
لا أَمَلَ لنا في الإنسَانيَّةِ الجّوفَاءِ
بَعَدَ هَذَا اليَومَ
أَغِيثُونا ياملائِكَةَ اللهَ
أَو يا شَياطِينَ الجٌَحِيمِ
فَأنتُمُ مَلاذُنا الأَخِيرُ
وَأَنتُمُ المُرتَجَى لِخَلاصِنا
نَحنُ أَبنَاءَ سُورِيٌةَ
الأَبِيَّةَ وَالعَصِيَّةَ .

مصطفى الحاج حسين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يمنع نشر أي تعليق مسيء للأديان السماوية, أو يدعو للتفرقة المذهبية والتطرف, كما يمنع نشر أي موضوع أو خبر متعلق بأنشطة إرهابية بكافة أنواعها أو الدعوة لمساندتها ودعمها,أو إساءة للشخصيات العامة
كُل المحتوي و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع .
بعض صور الشعراء و الشاعرات غير صحيحة، نرجو تبليغنا إن واجهت هذى المشكلة
إدارة الموقع لا تتابع التعليقات المنشورة او تقوم بالرد عليها إلى نادراً.