الصفحات

أخ البنات ـــ قصة | د. عبد العزيز بوشلالق ــ جامعة المسيلة ــ الجزائر

نشأ وحيدا مع أخواته البنات الخمس، كان ترتيبه الرابع بينهن، يغمره الجميع بالحنان والدفء، يتقاسم الجميع غرفتين واحدة للوالدين والأخرى له ولأخواته، غمرت السعادة جميع من في المنزل، لم يبخل عليهم الوالدان بالعطف والحنان، وتوفير ما يلزم، أغرمت به أخواته إلى الحد الذي أصبح مثار تنافس بينهن، بل محل جدل وخصومة فيمن تعتني به وتصفف شعره، وترتب ثيابه، يتسابقن في أخذه معهن إذا كانت لإحداهن رغبة في الخروج، على عادة الأسر المحافظة التي لا تترك البنت تخرج بمفردها،


ألف (سامر) هذا الدلال، ووجد فيه الراحة النفسية، مبيته في حضن كل واحدة منهن، وتناوبهن على رعايته، بل إذا أردن التسامر والضحك يزينه بمختلف أدوات الزينة ، فتارة يكون عروسا ليلة زفافها وأخرى امرأة غجرية تداخلت ألوان الطبيعة في وجهها فكانت آية في الجمال، يمضين وقتا غير قصير في التفكه وأحيانا يطلبن منه تقليد بعض النساء والعجائز، وأخرى يقمن بالرقص أمامه فيرى منهن ما شف وخف، وترتسم معالم قوامهن الأنثوية في مخيلته.

يحلو له اللعب بلعب وعرائس أخواته الأصغر منه، يحدث الشجار، ينتصر حينا، وينهزم أحيانا كثيرة، يلجأ إلى أخواته الكبيرات فيذدن عنه، يشعر بالراحة والسكينة.

دخل المدرسة بالهيئة التي ارتأتها أخواته، شعر أصفر منسدل كالبنات، وثياب مزركشة بشتى الرسوم والكلمات، يفوح منه أجمل عطر، وترتسم على وجهه البراءة في أسمى معانيها، دخل الحجرة الدراسية خائفا حذرا، كأنه ينتظر مجهولا، أو يتوجس حدثا غريبا، بدأ المعلم في استجواب التلاميذ، ولما وصل دوره خاطبه بصيغة المؤنث أنت يا بنيتي قومي ما اسمك؟ ضجت القاعة ضحكا، لم يفهم المعلم السبب، وكان هذا السؤال أول خنجر يغرز في صدر هذا البريء .
لم يستطع الصغير الإجابة وتلعثم لسانه، وكان بجواره فتاة صغيرة نشيطة أخبرت المعلم أنه ولد وأن اسمه سامر، ذهب إليه المعلم محاولا تلطيف الجو ومربتا على كتفه وزاجرا بقية زملائه، إلاّ أن ذلك لم يغير من الموقف شيئا، أصبح مثار سخرية، ألف صديقته الصغيرة، فلا يرى إلا بجوارها، يخاف اللعب مع الصبية، ويهرب منهم.

مرت سنو المرحلة الابتدائية وأصبح شابا يافعا في مرحلة المتوسط، لم ينطلق انطلاقة من يريد تغيير معالم حياة ثانية فيها من التمرد ومحاولة اكتشاف المجهول، والثورة على الأوامر العائلية، كان يقابلها بثورة أخرى، تلخصت في عزلته والبحث في أسرار أخواته البنات، عرف جسده من خلالهن، ومارس ثورته في عزلة من الرقيب، كان هادئا إلى درجة الانصياع، مطيعا إلى حد الجبن، لا يهاجم ولا يبدي ردة فعل، بل يستغل كل ما يعترض طريقه في ثورة من نوع خاص، كلما أهلك جسده النحيف في ممارسة الطيش والاختلاء بنفسه، يشعر براحة غريبة، تأصلت هذه العادة الخبيثة في نفسه وأصبحت تنفيسا لكل جميل وكل قبيح، فإذا أحس الفرح والسعادة يعود إلى جسده، وإذا غضب وأحس بإهانة من الغير يعود كذلك إلى جسده، شأنه في ذلك شأن مدمن التدخين ترافقه السيجارة لحظة السرور ولحظة الغضب.كبر على هذه الحال وأصبح يشعر شعورا غريبا، ينتابه إحساس بنقص في الرجولة لأنه لا يتصرف كالرجال، يعود إلى محاورة جسده، تقنعه أعضاؤه وتصرفاته بتمام الرجولة، ميله إلى حديث أخواته وتذكر رائحة أجسامهن ورهافة ثيابهن وهو ينام بين أحضانهن تجذبه إلى الاستغراق في التفكير، لم يخلق امرأة،؟ وهل هو رجل؟ يعود ثانية إلى محاورة جسده نظريا وتطبيقيا.

لم يجد من يبوح له بأسراره، هل يقدم على مكاشفة أخواته بالأمر وبشعوره الغريب، ليس له من الأصدقاء الذكور من هو محل ثقة، سوف يكون أضحوكة مثلما ضحكوا عليه أول مرة، ألم يناديه المعلم بصيغة التأنيث؟.

تعاقبت الأيام والصراع يكبر والانجذاب إلى فكرة أنه أنثى ترتسم في ذهنه ويدعمها الفعل، فلا يرى إلا متثنيا في مشيته، مقلدا أخواته، مستعملا مساحيقهن وروائحهن، مصففا شعره مثلهن.
كثر الهمز واللمز والزجر من جميع المحيطين به، فلا يقابل ذلك إلا بالعودة إلى تعذيب النفس والجسد معا، مما أثر على تحصيله الدراسي، فغادر مقاعد الدراسة، ولما لم يستطع الانسجام العائلي اشتغل في أحد الفنادق نادلا، لا يخالط أحدا وليس لديه الوقت في تجاذب أطراف الحديث مع الغير، يعيش أسراره بمفرده، ويتفنن في تعذيب جسده حتى أصبح شاحب الوجه ، يصيبه
الإعياء والدوار، ولا يقوى على أداء عمله.

في يوم من أيام الصيف التي تكثر فيها الأعراس والأفراح، حدث شيء غريب اكترت عائلة بهو الفندق لإقامة حفلة العرس ودعوة الضيوف وكانت الجلسة نسائية، شاهد (سامر) النساء يفدن إلى الفندق من كل جهة في زينة وبهرجة ليس لها مثيل، اختلطت عليه الأمور، ولم يعرف ما الذي حل به، فلم يشعر إلا بيده تمتد إلى الخزانة ويرتدي أحسن فستان، ثم يزين وجهه ويستخدم المساحيق التي ألف استخدامها، ويصفف شعره بكيفية غريبة، فيبدو للناظر عروسا ليلة زفافها، فالقدّ قدّ أنثى والوجه وجه أنثى والصوت صوت أنثى، ينزل رويدا رويدا من عتبات السلم إلى أن يصل البهو فيجد النساء تحلقن مجموعات مجموعات يتجاذبن أطراف الحديث.

يسمع القهقهات والحديث الجماعي ورواية الحكايات المختلفة، يكتشف عالما غريبا مليئا بالرذائل، فهذه تتفنن في الحديث عن أسرار الفراش، والأخرى مختصة في الأوصاف والأحوال، وما يملك الرجال، فلا بحور الخليل تضاهي وصفها، ولا ضوابط اللغة تحد حركاتها وسكناتها، والجميع يسمع والجميع يتكلم، تقع عيناه على عيني عجوز أنهكتها السنون، فابيض شعرها واحدودب ظهرها، ورسمت على وجهها خطوطا عمودية وأخرى أفقية، أخذت طريقها إليه، صرف بصره مرة ومرتين، لكن العجوز أنشبت سهامها الحادة فيه، تسير ببطء متثاقلة إلى أن وصلت إليه، شعر بشيء من الخوف والاضطراب سرعان ما تبدّد حينما نادته بصيغة الأنثى، لكنّها لم تكتف بالتقبيل والسؤال عن الأهل والحال، بل أخرجت أدواتها الإجرائية، فتارة تقربّ وجهها من وجهه لتشم رائحته، وأخرى تتلمس ساقه وفخذيه، وفي مرة أخرى تمسك بيده وتفتش في أنامله وأظفاره ، ثم تبدأ صعودا ونزولا في المسح على أجزاء من جسده على عادة النسوة الخبيرات باقتناص العرائس لأولادهن، لم يفهم ما يدور حوله، شعر بالدوار، اختلطت الأصوات في ذهنه، ودبت قشعريرة في جسده، وسرت في جميع أطرافه وقام صارخا وسط الجميع : (أنا رجل أو امرأة ؟ )، وأخذ يكرّرها وينزع عنه الثياب قطعة قطعة والنسوة يصرخن ويهربن في جميع الاتجاهات إلى أن جاء أمن الفندق وأمسكوا به وأخذوه إلى مخفر الشرطة.

قال الشاعر:

وإنَّ مَن أدَّبتَه في الصِّبا....كالعُود يُسقي الماءَ في غَرسِهِ

حتى تراهُ مُورِقا نَظـِـــرا....بعدَ الّذي أبصَـــــــرْتَ مِنْ يُبْسَهِ

د. عبد العزيز بوشلالق جامعة المسيلة الجزائر (2015.12.30(

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يمنع نشر أي تعليق مسيء للأديان السماوية, أو يدعو للتفرقة المذهبية والتطرف, كما يمنع نشر أي موضوع أو خبر متعلق بأنشطة إرهابية بكافة أنواعها أو الدعوة لمساندتها ودعمها,أو إساءة للشخصيات العامة
كُل المحتوي و التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع .
بعض صور الشعراء و الشاعرات غير صحيحة، نرجو تبليغنا إن واجهت هذى المشكلة
إدارة الموقع لا تتابع التعليقات المنشورة او تقوم بالرد عليها إلى نادراً.